من الفارين أهل الوعيد، وإذا تنبهت لقول شيخ الإسلام بأنه لا يُشترط لوجوب هذا الجهاد شرط وأنه أفرض شيء بعد الإيمان بالله علمت جناية من ينهى الناس عن دفع هؤلاء الصائلين على دين المسلمين وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وقال النووي رحمه الله: قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية إلا أن ينزل الكفار ببلد المسلمين فيتعين عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية. اهـ [1]
وقال ابن عابدين رحمه الله: وعبارة الدرر (وفرض عين إن هجموا على ثغر من ثغور الإسلام) فيصير فرض عين على من قرب منهم وهم يقدرون على الجهاد، ونقل صاحب النهاية عن الذخيرة أن الجهاد إذا جاء النفير إنما يصير فرض عين على من يقرب من العدو، فأما من وراءهم يبعد من العدو فهو فرض كفاية عليهم حتى يسعهم تركه إذا لم يحتج إليهم، فإن احتيج إليهم بأن عجز من كان يقرب من العدو عن المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا عنها لكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا فإنه يفترض على من يليهم فرض عين كالصلاة والصوم لا يسعهم تركه ثم وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا على هذا التدريج، ونظيره الصلاة على الميت فإن من مات في ناحية من نواحي البلد فعلى جيرانه وأهل محلته أن يقوموا بأسبابه، وليس على من كان يبعد من الميت أن يقوم بذلك وإن كان الذي يبعد من الميت يعلم أن أهل محلته يضيعون حقوقه أو يعجزون عنه كان عليه أن يقوم بحقوقه كذا هنا. اهـ [2]
قال الشيخ حمود بن عقلا الشعيبي رحمه الله تعالى: وحكم الجهاد في وقتنا الحاضر أنه فرض عين على كل قادر عليه، وقد أجمع علماء الأمة قديما وحديثا على أن الجهاد يكون فرض عين في ثلاث حالات، الأولى: إذا حصر العدو بلدا من بلاد المسلمين أو احتلها، والحالة الثانية: إذا حضر الصف في معركة بين المسلمين والكفار، والحالة الثالثة: إذا استنفره الإمام الشرعي، ونحن إذا نظرنا إلى ما يجري في فلسطين وفي الشيشان وجدنا أن العدو قد احتل هذه البلدان وآذى أهلها بشتى أنواع الأذى من القتل والتدمير والسلب والنهب وانتهاك الأعراض، إذا فيجب على الأمة الإسلامية حكاما ومحكومين كل فيما يخصه أن يهبوا لنصرة إخوانهم المضطهدين في هذه البلدان
(1) شرح مسلم للنووي ج8/ 63ـ64.
(2) حاشية ابن عابدين ج4/ 124، وعمنى هذه الأقوال التي ذكرناها سابقا مجمع عليها ومن أراد الزيادة فليراجع: البحر الرائق لابن نجيم ج5/ 191، فتح القدير لابن الهمام ج5/ 191، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج2/ 174، مغني المحتاج للشربيني ج4/ 209، الأم للشافعي ج4/ 170، الشرح الكبير للدردير ج2/ 174، المغني لابن قدامة ج9/ 147، ج10/ 389، ومشارع الأشواق إلى مصارع العشاق لابن النحاس ج1/ 101، التاج والإكليل 4/ 539، نهاية المحتاج ج8/ 58.