وأقرهم من كان معهم من الصحابة وغيرهم.
9ـ وقد ورد في الأثر أيضا أن عسكر المسلمين لما لقوا الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة وذلك في وقعة الجسر، فعمد رجل منهم فصنع فيلًا من طين وأنس به فرسه حتى ألفه، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل، فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له: إنه قاتلك، فقال لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين [1] ، فقد تقدم هذا الفارس الشجاع بنفسه الكريمة مع علمه أنه مقتول ولم ينكر عليه أحد ذلك مع علمهم أيضا أنه مقتول ولا بد وتحذيرهم إياه من القتل، وذلك لأنه قدم نفسه في سبيل الله عز وجل وليفتح للمسلمين.
* وقد أجمع العلماء على جواز تقحم المهالك في الجهاد، وقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كُن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار) [2] وقد بوب عليه البخاري رحمه الله"باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر"وقال ابن حجر رحمه الله: ووجه أخذ الترجمة منه أنه سوى بين كراهية الكفر وكراهية دخول النار، والقتل والضرب والهوان أسهل عند المؤمن من دخول النار، فيكون أسهل من الكفر إن اختار الأخذ بالشدة، ذكره ابن بطال، وقال أيضا: فيه حجة لأصحاب مالك وتعقبه ابن التين بأن العلماء متفقون على اختيار القتل على الكفر، وإنما يكون حجة على من يقول إن التلفظ بالكفر أولى من الصبر على القتل ... إلى أن قال: وقد أجمعوا على جواز تقحم المهالك في الجهاد. انتهى، وهذا يقدح في نقل ابن التين الاتفاق المذكور. اهـ [3]
وذكر النووي رحمه الله في الفوائد المأخوذة من غزوة ذي قرد: ما كانت الصحابة عليه من حب الشهادة والحرص عليها ومنها إلقاء النفس في غمرات القتال، وقد اتفقوا على جواز التغرير بالنفس في الجهاد في المبارزة ونحوها. [4]
ومما يدل على صحة ما ذكرناه جواز حمل الواحد على العدد الكثير من العدو في الجهاد وإن تيقن أو غلب على ظنه الهلكة.
* فعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) فقام رجل رث الهيئة، فقال: يا أبا موسى أنت سمعتَ رسول الله يقول هذا؟ قال: نعم، فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام ثم كسر جفن سيفه فألقاها، ثم مشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتى قتل، وقد سبق.
* وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه) ، فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض) ، قال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: (نعم) ، قال: بخ بخ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قول بخ بخ؟) قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: (فإنك من أهلها) ، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة! فرمي بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل) [5] .
* وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلت؟ قال صلى الله عليه وسلم: (في الجنة) ، فألقى تمرات كن في يده فقاتل حتى قتل) [6] . ووجه الدلالة في هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة ألا يقاتلوا في بدر إلا صفًا وكان يسوي صدورهم بالرمح حتى لا يتقدم أحد على الصف، فلما سمع عمير ما سمع من فضل انطلق من الصف واقتحم على العدو وحده، فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك رغم أن الموت كان نتيجة فعله أمر محقق، قال النووي رحمه الله: فيه جواز الانغماس في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز لا كراهية فيه عند جماهير العلماء. [7]
* وعن أنس رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله أرأيت إن انغمست في المشركين فقاتلتهم حتى قتلت أإلى الجنة؟ قال صلى الله عليه وسلم: (نعم) ، فانغمس الرجل في صف المشركين فقاتل حتى قتل [8] .
* وعن عاصم بن عمر بن قتادة قال: لما التقى الناس يوم بدر قال عوف بن الحارث رضي الله عنه: يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟ قال صلى الله عليه وسلم: (أن يراه غمس يده في القتال يقاتل حاسرا) ، فنزع درعه ثم تقدم فقاتل حتى قتل شهيدا [9]
* وروى أنس رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبتُ عن أول قتال
(1) راجع هذا الأثر في: تفسيره القرطبي 2/ 363
(2) رواه بألفاظ متقاربة البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأحمد.
(3) فتح الباري ج12/ 330.
(4) شرح النووي على صحيح مسلم ج12/ 186 - 187
(5) رواه بهذا اللفظ مسلم والبيهقي والحاكم.
(6) رواه البخاري في كتاب المغازي باب غزوة أحد حديث رقم4046.
(7) شرح النووي على مسلم ج13/ 46
(8) رواه الحاكم.
(9) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر رقم 6092.