وفي جواز تمني الشهادة قال ابن القيم رحمه الله: وقال خيثمة - أبو سعد - وكان ابنه استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر لقد أخطأتني وقعة بدر وكنت والله عليها حريصا حتى ساهمت ابني في الخروج فخرج سهمه فرزق الشهادة وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها ويقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا وقد الله يا رسول الله أصبحت مشتاقا إلى مرافقته في الجنة وقد كبرت سني ورق عظمي وأحببت لقاء ربي فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعد في الجنة فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقتل بأحد شهيدا، وقال عبد الله بن جحش في ذلك اليوم اللهم إني أقسم عليك أن ألقى العدو غدا فيقتلوني ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني ثم تسألني فيم ذلك فأقول فيك، وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج وكان له أربعة بنين شباب يغزون مع رسول الله إذا غزا فلما توجه إلى أحد أراد أن يتوجه معه فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك وقد وضع عنك الجهاد فأتى عمرو بن الجموح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن بني هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة فقال له رسول الله: (أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد) ، وقال لبنيه: (وما عليكم أن تدعوه لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة) فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل يوم أحد شهيدا، وانتهى أنس بن النضر إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟ فقالوا: قتل رسول الله، فقال: فما تصنعون بالحياة بعده فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل. اهـ [1]
8ـ وفي معركة اليرموك ولما طال القتال قال عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه يومئذ: قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل موطن وأفر منكم اليوم - أي من الروم - ثم نادى: من يبايع على الموت، فبايعه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعًا جراحًا وقتلوا إلا من برأ ومنهم ضرار بن الأزور، وأتي خالد بعدما أصبحوا بعكرمة جريحا فوضع رأسه على فخذه وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه وجعل يمسح عن وجوههما ويقطر في حلوقهما الماء ويقول: كلا زعم ابن الحنتمة أنا لا نستشهد [2] وورد أيضا أن عكرمة بن أبي جهل ترجل يومها فقال له خالد بن الوليد: لا تفعل فإن قتلك على المسلمين شديد، فقال: خل عني يا خالد، فإنه قد كان لك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقة، وإني وأبي كنا من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى حتى قتل [3] فقد بايع عكرمة رضي الله عنه جمع من الصحابة وغيرهم على الموت بل قد ترجل عكرمة نفسه
(1) زاد المعاد ج3/ 208ـ29.
(2) أورده ابن جرير الطبري في التاريخ ج2/ 338، راجع: تهذيب الكمال للحافظ المزي ج20/ 248، تهذيب الأسماء للنووي ج1/ 312
(3) روى هذا الأثرابن المبارك في كتاب الجهاد ج1/ 56، والبيهقي في سننه ج9/ 44.