الصفحة 90 من 111

حتى فتحها على المسلمين فقتل الله مسيلمة. [1]

* وعن مدرك بن عوف قال: إني لعند عمر فقلت: إن لي جارا رمى بنفسه في الحرب فقتل، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذبوا، ولكنه اشترى الآخرة بالدنيا [2] ، وفي إقرار الصحابة رضي الله عنهم لمثل هذه الأفعال دليل على جواز كل عمل جهادي حتى لو كانت الهلكة فيه محققة.

* وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله رضي الله عنه، فخرجت أنا ورباح - غلام النبي صلى الله عليه وسلم - بظهر رسول الله، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله أريد أن أُندّيه مع الإبل، فلما كان بغلس أغار عبدالرحمن بن عيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل، فقلت: يا رباح اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قد أغير على سرحه، قال: وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات يا صباحاه، قال: ثم أتبعت القوم معي سيفي ونبلي فجعلت أرميهم وأعقر بهم ... حتى قال: فما زال ذلك شأني وشأنهم أتبعهم وارتجز، حتى ما خلق الله شيئًا في ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري فاستنقذته من أيديهم، ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها، ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا اشتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم في ثنية ضيفة، ثم علوت الجبل فأنا فوقهم، فقال عيينة: ما هذا؟ ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح - أي الشدة - ما فارقنا بسحر حتى الآن، وأخذ كل شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره، فقال عيينة: لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم، ليقم إليه نفر منكم، فقام إلي نفر أربعة، فصعدوا في الجبل فلما أسمعهم الصوت قلت: أتعرفوني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع والذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني، قال: فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر، وإذا أولهم الأخرم الأسدي وعلى إثره أبو قتادة فارس، وأنزل من الجبل فأعرض للأخرم فأخذ عِنان فرسه فقلت: يا أخرم أنذر القوم - يعني احذرهم - فإني لا آمن أن يقتطعوك فاتئد حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال: يا سلمه إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة، قال: فخليت عِنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة، ويعطف عليه عبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر الأخرم بعبد الرحمن وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم ... حتى قال:

فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله خلني فأنتخب من أصحابك مائة فآخذ على الكفار بالعشوة - أي بسواد الليل - فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته، قال (أكنت فاعلًا ذلك يا سلمة؟) ، فلت: نعم والذي أكرمك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه في ضوء النار، حتى قال فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة) ، فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل جميعًا [3] ، وفي هذا الحديث مدح فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فعل سلمة ولم ينكر عليه قتاله القوم وحده والغزو دون إذنه، وكذلك لم ينكر على الأخرم قتاله للقوم وحده، فدل ذلك على جواز الغزو بدون إذن الإمام إن كان المقصود من القتال يضيع، وعلى جواز قتال العدو بدون ضرورة مع الفارق الكبير في العدد والعدة، قال ابن النحاس رحمه الله: الحديث أدل دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده وإن غلب على ظنه أن يقتل، إذا كان مخلصًا في طلب الشهادة كما فعل الأخرم الأسدي، ولم يعب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه ولم ينه الصحابة عن مثل فعله، بل في الحديث دليل على استحباب هذا الفعل وفضله فإن النبي صلى الله عليه وسلم مدح أبا قتادة وسلمة على فعلهما كما تقدم، مع أن كلًا منهما قد حمل على العدو وحده ولم يتأن إلى أن يلحق به المسلمون، وفيه أن للإمام وغيره ممن له على الحامل دالة المحبة أن يمنعه شفقة عليه، وله أن يطلقة إذا علم منه صدق القصد وتصميم العزم وإخلاص النية في طلب الشهادة كما فعل سلمة بن الأكوع مع الأخرم الأسدي ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم منعه ولا إطلاقه، وفي طلب سلمة انتخاب مائة من الصحابة ليلقى بهم الكفار دليل واضح على أن الكفار كانوا جمعًا كثيرًا وإلا لم يستدع الحال أن يتوجه إليهم مائة من الصحابة المنتخبين، ولم أر من ذكر هذا الحديث في هذا الباب وهو أوضح من كل دليل واضح والله أعلم. [4]

* وعن أسلم بن عمران قال: كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ثم رجع مقبلا، فصاح الناس: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: أيها الناس إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا بيننا سرا: إن أموالنا قد ضاعت فلو أننا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله هذه الآية فكانت التهلكة الإقامة التي أردناها [5] ، * وعن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين أهو ممن يُلقي بيده إلى التهلكة؟ قال: لا، لأن الله تعالى قد بعث محمدا فقال (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا

(1) الإصابة لابن حجر

(2) راجع فتح الباري، كتاب التفسير شرح حديث رقم4516.

(3) رواه مسلم وأحمد وابن حبان وأبو عوانة والطبراني وابن أبي شيبة.

(4) مشارع الأشواق 1/ 539.

(5) رواه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت