الصفحة 93 من 111

أحدًا يصل إليه، فما شعر حتى قبضوا عليه، وقتلوا كل من كان حوله، وقطعوا رأسا فرفعوها على رمح وصاحوا قتل الملك، فولوا منهزمين لا يلوون على شيء وحكّموا السيوف فيهم أياما، فلم ينج منهم إلا قتيل أو أسير.

* وذكر الطرطوشي في سراج الملوك والقرطبي في تاريخه أن طارقًا دخل الأندلس في ألف وسبع مائة رجل، وكان تذفير نائبًا عن اللذريق فقاتلهم ثلاثة أيام، ثم كتب إلى اللذريق، أن قومًا وصلوا إلينا ما أعلم من الأرض هم أم من السماء؟ وقد قاتلناهم ولا طاقة لنا بهم، فأدركنا بنفسك، فأتاه لذريق في تسعين ألف فارس - وقال القرطبي سبعين ألف فارس - فقاتلهم ثلاثة أيام، واشتد بالمسلمين البلاء، فقال طارق: إنه لا ملجأ لكم غير سيوفكم، أين تذهبون وأنتم في وسط بلادهم والبحر من ورائكم محيط بكم؟ وأنا فاعل شيئًا إما النصر وإما الموت، فقالوا وما هو؟ قال: أقصد طاغيتهم فإذا حملت فاحملوا بأجمعكم معي، ففعلوا ذلك فقتل اللذريق وجمع كثير من أصحابه وهزمهم الله تعالى، وتبعهم المسلمون ثلاثة أيام يقتلونهم قتلًا ذريعا، ولم يقتل من المسلمين إلا نفر يسير.

* وقد أجاز جمع ما العماء حمل الواحد على العدد الكثير وإن تيقن القتل.

* قال محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله: لا بأس أن يحمل الرجل وحده - أي على العدو - وإن ظن أنه يقتل إذا كان يرى أنه يصنع شيئا يقتل أو يجرح أو يهزم ... ثم قال: فأما إذا كان يعلم أنه لا ينكي فيهم فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم، قال السرخسي في التعليق على ما سبق: فالشرط أن تكون حملته تنكي فيهم ظاهرا [1] .

ونقل عنه الجصاص رحمه الله: إن رجلا لو حمل على ألف رجل وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية فإنني أكره له ذلك لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين، وإنما ينبغي للرجل أن يفعل ذلك إذا كان يطمع في نجاة أو منفعة للمسلمين، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه يجرئ المسلمين بذلك حتى يفعلوا مثل ما فعل فلا بأس بذلك إن شاء الله، لأنه لو كان على طمع من النكاية في العدو ولا يطمع في النجاة لم أر بأسا أن يحمل عليهم، فكذلك إن طمع أن ينكي غيره فيهم بحملته عليهم فلا بأس بذلك وأرجو أن يكون فيه مأجورا، وإنما يكره له ذلك إذا كان لا منفعة فيه على وجه من الوجوه، وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه مما يرهب العدو فلا بأس بذلك، لأن هذا أفضل النكاية وفيه منفعة للمسلمين. انتهى، قال الجصاص: والذي قال محمد من هذه الوجوه صحيح لا يجوز غيره ... إلى أن قال: فأما إذا كان في تلف نفسه منفعة عائدة على الدين، فهذا مقام شريف مدح الله به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (إن الله

(1) شرح السِّير الكبير، ج1/ 163 - 164.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت