الصفحة 94 من 111

اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون) [1] ، وقال (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) [2] ، وقال (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله) [3] ، في نظائر ذلك من الآي التي مدح الله فيها من بذل نفسه لله. اهـ [4]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: روى مسلم في صحيحه قصة أصحاب الأخدود وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد، مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره، كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى. اهـ [5] ، ونقل عنه المرداوي في الإنصاف: وذكر الشيخ تقي الدين أنه يُسن انغماسه في العدو لمنفعة المسلمين، وإلا نُهي عنه وهو من التهلكة. اهـ [6]

وقال ابن حجر رحمه الله: وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إذا ترتب على ذلك وهنٌ بالمسلمين والله أعلم. اهـ [7] ، وقد سبق قوله في قصة أنس بن النضر.

وقال القرطبي رحمه الله: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة، فإن لم يكن فيه قوة فذلك من التهلكة، وقيل إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بيِّن في قوله تعالى (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله) ، وقال ابن خويز منداد: فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة من العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه سيقتل من حمل عليه فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أنه يُقتل

(1) سورة التوبة، الآية: 111.

(2) سورة آل عمران، الآية: 169.

(3) سورة البقرة، الآية: 207.

(4) أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص، ج3/ 262 - 263.

(5) مجموع الفتاوى، ج28/ 540.

(6) الإنصاف في معرفة الخلاف على مذهب الإمام أحمد للمرداوي، ج 4/ 125.

(7) فتح الباري ج8/ 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت