ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا، وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفِيَلة، فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنَّس به فرسه حتى ألِفه فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل، فحمل على الفيل الذي يقدمها، فقيل: إنه قاتلك، فقال: لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين، وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين: ضعوني في الجحفة وألقوني إليهم ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب، قال القرطبي: ومن هذا ما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا؟ قال: فلك الجنة، فانغمس في العدو حتى قتل، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال:(من يردهم عنا وله الجنة، أو قال هو رفيقي في الجنة) ، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنصفنا أصحابنا) - وذكر رحمه الله كلام محمد بن الحسن السابق - ثم قال: وعلى هذا ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء، قال الله تعالى (وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) [1] ، وقد روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله) ... إلى أن قال: قال محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو فإن لم يكن كذلك فهو مكروه لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة المسلمين فمن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز الدين وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله تعالى المؤمنين بقوله (إن الله اشترى) إلى قوله (بأن لهم الجنة) إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه. اهـ [2]
وقال ابن عابدين رحمه الله: لا بأس أن يحمل الرجل وحده وإن ظن أنه يقتل إذا كان يصنع شيئًا بقتل أو بجرح أو يهزم فقد نقل ذلك عن جماعة من الصحابة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومدحهم على ذلك، فأما إن علم أنه لا ينكي فيهم فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم لأنه لا يحصل بحمله عليه شيء من إعزاز الدين. اهـ [3]
(1) سورة لقمان، الآية: 17.
(2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج2/ 364، والحديث رواه الحاكم والضياء عن جابر - رضي الله عنه - بلفظ (سيدالشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) ورواه الطبراني في الكبير عن علي - رضي الله عنه - بلفظ قريب من هذا.
(3) الحاشية ج4/ 303