الصفحة 96 من 111

وقال الغزالي رحمه الله: لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل وإن علم أنه يقتل وكما أنه يجوز أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز فذلك حرام وداخل تحت عموم آية التهلكة وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه لا يُقتل حتى يقتِل أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله فتكسر بذلك شوكتهم. اهـ [1]

وقال ابن حزم رحمه الله: لم ينكر أبو أيوب الأنصاري ولا أبو موسى الأشعري أن يحمل الرجل وحده على العسكر الجرار ويثبت حتى يقتل، وقد صح عنه عليه السلام أن رجلًا من أصحابه سأله ما يضحك الله من عبده قال: (غمسه يده في العدو حاسرًا) فنزع الرجل درعه ودخل في العدو حتى قتل. اهـ [2]

قلت: فهذه نصوص أقوال أهل العلم بعد الأدلة الصحيحة وكلها دالة على صحة ما ذكرناه من جواز حمل المسلم على العدو وحده وإن غلب على ظنه أنه لا يحسم بذلك معركة أو يزيل دولة، إن كانت له في ذلك نية صالحة من طلب الشهادة، أو تجرئة قلوب المؤمنين، أو إحداث نكاية في صفوف العدو، ونحو ذلك من النيات الصالحة، وفي هذا دليل على صحة العمليات الجهادية التي يقوم بها فرد أو جماعة وإن لم تحدث تغييرا شاملا في النظام الطاغوتي مثلا، ولا يستطيع أحد أن يلوم من فعل ذلك، وإن كان الأولى ادخار مثل هذه الجهود المخلصة للمعاونة في التغيير الشامل.

* ويتبين من كل ما سقناه سابقا من الأدلة ونصوص أقوال أهل العلم جواز إهلاك المسلم نفسه وإتلافها لمصلحة إعزاز الدين وإظهاره، وجواز تقحم المهالك في سبيل الله تعالى، وجواز التغرير بالنفس في الجهاد في سبيل الله تعالى، وجواز حمل المسلم على العدو الكثير وحده وإن غلب على ظنه أنه هالك لا محالة، وأن من فعل ذلك فهو ممن شري نفسه ابتغاء مرضات الله تعالى وهو مأجور على فعله مرضي عنه إن شاء الله تعالى، وأن من أهلك نفسه في طاعة الله تعالى لا يدخل في النهي عن إلقاء النفس إلى التهلكة، ولا في النهي عن قتل النفس إذ أن من قتل نفسه في طاعة الله لا يكون ظالما ولا معتديا، وذلك لأن الله تعالى قد قيد النهي عن قتل النفس بقوله تعالى (ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا) [3] يعني بذلك جل شأنه: (عدوانا) أي تجاوزا لما أباح الله له إلى ما حرمه عليه، (وظلما) : يعني فعلا منه ذلك بغير ما أذن الله به وركوبا منه ما قد نهاه الله عنه [4] ، والعدوان

(1) راجع إتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين ج7/ 26.

(2) راجع المحلى لابن حزم ج7/ 294.

(3) سورة النساء، الآية: 30.

(4) راجع: تفسير الطبري ج5/ 36، الدر المنثور ج2/ 497، تفسير البغوي ج1/ 418

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت