هو مجاوزة الحق وتعديه، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ولذلك فقد استدل العلماء بهذا القيد على إخراج أنواع من القتل من هذه الآية وهو ما كان من القتل بحق كالقصاص وقتل المرتد وسائر الحدود الشرعية، وأخرجوا منه كذلك قتل الخطأ وما كان من قبيل السهو والغلط، وما كان طريقه الاجتهاد في الأحكام حتى يخرج إلى حد التعمد والعصيان [1] ، وفي هذا كله دلالة على جواز القيام بعمليات جهادية حتى وإن لم تؤد إلى تحقيق النصر النهائي المنشود على العدو بما ذكرناه من الشروط، وأن من فعل ذلك لا يُنكر عليه أو يُتهم بالسفه أو التهور أو الجهل والضلال، ويتبين من هذا أيضا بطلان من نهى غيره عن الجهاد بحجة عدم القدرة على إحداث التغيير الكامل، إذ أن هذا النوع من القدرة ليس شرطا في صحة الجهاد والله تعالى أعلم، وبهذا نكون قد انتهينا من الرد على من ينكر على المجاهدين جهادهم ويتذرع بعد القدرة ويتهمهم باتباع الهوى، بل ويطالبهم بالقعود المطلق والسكوت على الكفر والفساد وتبديل الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل.
* ومما يعتذر به بعض الجماعات الإسلامية وكثير من القاعدين من الأفراد وجوب استئذان ولى الأمر أو حكومة بلادهم، ومنهم من يشترط استئذان العلماء، وأنهم وإنهم إن لم يأذنوا لهم في الجهاد قعدوا وهم معذورون في عدم المشاركة فيه، وممن صرح بهذا المرشد الأعلى للإخوان المسلمين محمد حامد أبو النصر حينما سأله سائل في أحد اللقاءات في مدينة بيشاور عام 1408 هـ وقت جهاد الروس قائلا: إن كل الجماعات الإسلامية في مختلف الدول قد كان لهم مشاركات ظاهرة في الجهاد ضد الروس، وباعتباركم أكبر جماعة إسلامية ما هو مجهودكم في هذا الجهاد؟ فرد عليه المرشد الأعلى للإخوان المسلمين حامد أبو النصر بكل جرأءة: إن حكومتنا لم تأذن لنا بالمشاركة الفعلية في الجهاد، ولهذا نشارك بالمساعادات فقط، ثم أردف متحديا وقائلا: أتحداك أن تخرج لي واحدا من جماعة الإخوان شارك في القتال. انتهى وأنا أترك للقارئ الكريم التعليق على هذا الكلام.
وهذه الشبهة هي من أكثر شبه التاركين للجهاد تهافتا وسقوطا من عدة أوجه منها:
أولا: إن الحكام الذين ينتظر هؤلاء القاعدون منهم إذنا هم من أول الناس محاربة للجهاد في سبيل الله ولمن قام به، بل ويسمون الجهاد إرهابا حتى جهاد المحتلين في فلسطين والشيشان وأفغانستان والفلبين وغيرها، وهذا أمر لا يخفى إلا على أعمى، وقد ذكرنا مبحثا خاصا في كفر هؤلاء الحكام وردتهم عن الإسلام، واحترامهم بل احتكامهم لقوانين الأمم الملحدة في اعتبار جهاد الطلب اعتداء محرما على الدول يجب الوقوف ضده ومعاقبة من قام به، والحوادث الدالة على هذا كثيرة مشهورة لا تحتاج إلى ذكر.
(1) راجع: تفسير فتح القدير للشوكاني ج1/ 457، أحكام القرآن للجصاص ج3/ 141