ثانيا: إن ربط إيجاب الجهاد على المكلف بوجود الإمام وإذنه - على افتراض كونه مسلما - قول محدث لم يقل به أحد البتة، فإن أدلة إيجاب الجهاد عامة غير موقوفة على وجود إمام أو إذنه، ومن تصفح أدلة الكتاب والسنة وجد مصداق هذا؟
ولذلك فقد قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله في رده على اعتراضات ابن نبهان: ويقال بأي كتاب أم بأية حجة أن الجهاد لا يجب إلا مع إمامٍ متبع؟! هذا من الفرية في الدين والعدول عن سبيل المؤمنين، والأدلة على إبطال هذا القول أشهر من أن تذكر، من ذلك عموم الأمر بالجهاد والترغيب فيه والوعيد في تركه قال تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) [1] ، وقال في سورة الحج (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع) [2] ، وكل من قام بالجهاد في سبيل الله فقد أطاع الله وأدى ما فرضه الله، ولا يكون الإمام إماما إلا بالجهاد، لا أنه لا يكون جهاد إلا بإمام ... إلى أن قال:
والعبر والأدلة على بطلان ما ألفته كثير من الكتاب والسنة والسير والأخبار وأقوال أهل العلم بالأدلة والآثار لا تكاد تخفى على البليد، إذا علم بقصة أبي بصير لما جاء مهاجرا فطلبت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرده إليهم بالشرط الذي كان بينهم في صلح الحديبية، فانفلت منهم حتى قتل المشركين اللذين أتيا في طلبه، فرجع إلى الساحل لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (ويل أمه مسعر حرب لو كان معه غيره) فتعرض لعير قريش إذا أقبلت من الشام يأخذ ويقتل، فاستقل بحربهم دون رسول الله، لأنهم كانوا معه في صلح، فهل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخطأتم في قتال قريش لأنكم لستم مع إمام؟ سبحان الله! ما أعظم مضرة الجهل على أهله؟ عياذًا بالله من معارضة الحق بالجهل والباطل. اهـ [3]
ثابثا: يجوز الجهاد بغير إذن الإمام إذا عطل هذا الإمام الجهاد فلا يكره حينئذ الخروج للجهاد بغير إذنه، لأن استئذان الإمام غاية ما فيه الندب تأدبا معه ولأنه أعرف بمواطن ضعف العدو وحاجة المسلمين، ولأن غاية ما في الخروج بغير إذن الإمام التغرير بالنفس في سبيل الله وهو جائز في الجهاد، فإذا عطل الإمام الجهاد فلم يأذن فيه لرغبته عنه أو لركونه إلى الدنيا أو لمحبته بقاء الكفر فإنه لا يُستأذن في هذا، بل الخروج بغير إذنه هو الواجب المتحتم حينئذ، هذه إذا كان هذا الإمام مسلما تجب طاعته من حيث الأصل.
قال ابن رشد رحمه الله: وطاعة الإمام واجبة ولو كان غير عدل، إلا إذا أمر بمعصية، ومن المعصية منعه الجهاد
(1) سورة البقرة، الآية: 251.
(2) سورة الحج، الآية: 40.
(3) الدرر السنية ج8/ 199،200.