الصفحة 2 من 10

إن الحكم الشرعي في أي مسألة أو نازلة أوقضية لا يمكن معرفته إلا بفهمين، الأول: معرفة الواقع والثاني: معرفة حكم الله تعالى فيه أو كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما فهم الواقع فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والإمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر) (1) .

أو كما قال ابن تيمية عندما سئل عن حكم التتار فبيّن أن الحكم الشرعي مبني على أصلين: أحدهما المعرفة بحالهم، والثاني معرفة حكم الله في أمثالهم (2) .

ولقد كان الظن أن إحجام طلبة العلم وأهله عن إصدار الحكم الشرعي في حق النظام السعودي والأنظمة عامة هو لعدم معرفتهم بالشق الأول (فهم الواقع) ، وذلك بسبب تلبيس النظام عليهم بتزوير حقيقته وطمسها بمجموعة من المحسّنات الظاهرة، فكان كشف هذه الممارسات والسياسات التي يجهلها طلبة العلم هو الدور الأهم، وقد أجمع العلماء على وجوب كشف المنافقين والمبتدعين (3) .

وقد سئل الإمام أحمد: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟، فقال: (إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل) (4) .

ومع أن بلاد الحرمين قد كثر فيها طلبة العلم إلا أن انشغالهم بالعلم وطلبه أبعدهم عن معرفة الواقع وحقيقته، وهذا قد يقع من طلبة العلم وأهله كما نبّه جماعة من السلف على ذلك، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث تحدث عن ذلك في مواطن كثيرة من الفتاوى.

ولقد تبين أن كثيرًا من أهل العلم وطلبته قد أحجموا عن تنزيل حكم الله تعالى على هذا الواقع، وأسباب هذا الإحجام متفاوتة، فهناك مجموعة منهم رضيت لنفسها مقام (التقليد) ، حيث تنتظر من غيرها هذا التنزيل لتكون التالية لا السابقة في هذه الفضيلة، وهناك من يخاف الأثر المترتب على هذا التنزيل، ويزعم أن قول حكم الله تعالى في النظام سيؤدي إلى فتنة لا تدرى نتائجها، وكأن هذا الصنف ظن أن معرفة حكم الله تعالى شر لابدّ من ستره وتغييبه، وفي هؤلاء يقول محمد بن وضاح رحمه الله تعالى: (إنما هلكت بنو إسرائيل على أيدي قرائهم وفقهائهم، وستهلك هذه الأمة على أيدي قرائها وفقهائها) (5) ، وحكم الله تعالى فيه النجاة والسعادة حقيقة.

وعلى ضوء هذا فإنه من الواجب الحديث بشكل تفصيلي عن حقيقة النظام، وحكم الله تعالى فيه، وأين هو في دين الله تعالى؟ وما هو موقف الأمة منه وكيف تتعامل معه؟ أي الحديث عن كلا الشقين: الواقع والشرع.

وقبل الشروع في هذه الأمور، لابدّ من تحديد بعض الثوابت والمقدمات النظرية حتى لا يلتبس الحال أو تفهم الأمور على غير محلها، وهذه المقدمات هي:

أولًا: أنه لايقبل حكم ولا اعتقاد إلا بدليل شرعي، والدليل الشرعي هو الكتاب والسنة وفهم قواعد الصحابة ومن تبعهم من خير القرون المشهود لها، وما عداه فليس بحجة في ذاته، بل هو محتاج بنفسه إلى دليل، وكل ما هو خارج الكتاب والسنة والإجماع فهو رأي، والرأي يخطئ ويصيب، ويؤخذ منه ويرد عليه ومن ثم فإن البحث في مسألة شرعية النظام كغيرها من المسائل يجب أن يكون مبنيًا على الدليل الشرعي وفهم الواقع بدقة، وعلى الرغم من أن هذا الكلام يبدو أمرًا لا جدال حوله، إلا أنه في الحقيقة في عداد المهجور رغم ترداد العلماء له بألسنتهم، وترى بعضهم يرفع شعار"كل ما هو خارج النص والإجماع فهو رأي والرأي ليس بملزم"، ثم تجدهم عند التطبيق يتعاملون مع آراء أهل الفتوى والقضاء وكأنها دين يجب التزامه، ويعتبرون الخروج على هذه الآراء معصية بل معصية كبيرة، بل تراهم يضربون بأدلة الشرع عرض الحائط ويستدلون بحجج واهية هي أشبه بكلام العوام كقولهم:"نحن أحسن من غيرنا"، أو كقولهم:"لا تعكروا علينا الأمن والأمان ورغد العيش".

وهذا يلجئهم إلى تصيد الأقوال الساقطة الشاذة التي لا تمت إلى الدليل الشرعي بصلة، لتبرير أفعال النظام وإسباغ الشرعية عليه بطريقة لا تُقبل من مبتدئ في طلب العلم فضلًا عن العلماء، كموقف أحدهم من الربا المستعر والمنتشر في البلاد طولًا وعرضا، َ وغريب أمر هؤلاء، أنهم يتمسكون بالنصوص الشرعية في قضايا الحيض والنفاس وزكاة الفطر، ويعرضون عن الحكم الشرعي في قضايا جليلة القدر في السياسة والحكم والقضاء، وهي قضايا تمسّ الأمة بأجمعها.

ثانيًا: أن الحكم على النظام ليس حكمًا على أفراده ورجاله، ولكنه حكم على النظام كله بوصفه نظام حكم، وذلك بغض النظر عن كل فرد فيه بعينه، وقد يعود الحكم العام على بعض أفراده، ولكن هذا لا يلزم أن يعود على جميع أفراده حسب الأحوال والشروط المعتبرة، وهذا أمر معروف لدى طلبة العلم (6) ، فالكلام لا يتوجه على أفراد وشخوص بأعيانهم، ولكن البحث ينصرف إلى حكم النظام وموقعه من الإسلام، فلا يعترض مُعترضٌ علىه بوجود بعض أهل الاستقامة فيه، ثمّ لا يقال بعد ذلك ما حكم فلان أو غيره من رجال النظام، لأن البحث هو عن شرعية الكيان كله، ومقدار قربه وبعده عن الشريعة.

ومعلوم أن الطوائف الحاكمة تعامل في دين الله تعالى معاملة عامة بحسب ما اجتمعت عليه بغض النظر عن أفرادها (7) .

ثالثًا: حكم الله تعالى في نازلة من النوازل لا يؤخذ من دليل واحد وقد وجد غيره، فلا بدّ من إعمال الأدلة الواردة في المسألة جميعها.

والذين يأخذون ببعض النصوص دون غيرها هم أهل البدع، وأغلب أهل البدع أخذوا بعض النصوص وردوا الباقي، كما هو شأن القدرية والجبرية والخوارج مقلدين في ذلك ومتشبهين باليهود الذي قال الله فيهم: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) ، وأما أهل السنة فهم أهل الهدى، وسبيلهم إعمال النصوص جميعًا دون إهمال لواحد منها، وذلك بعد ثبوت صحتها.

فهذا الأمر يقال للذين يتجاهلون بعض الأحاديث النبوية الشريفة في سعيهم الشديد للدفاع عن النظام والحكام، فلماذا توضع الأيدي على حديث: "لتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا" (8) ، ولماذا يعرض عن أحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟، فهذه الأحاديث النبوية نصوص يوافق بعضها بعضًا، ولابد من استحضارها جميعًا في مجال البحث عن موقف المسلم من الحاكم كائنًا من كان هذا الحاكم.

رابعًا: دين الله تعالى، دين شامل، لا يخرج عن هيمنته شيء من شؤون الدنيا والآخرة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علمنا كيفية الأكل والشرب، بل ما هو أدق منهما، لا يعقل أن يترك للناس ما هو من عظائم الأمور كشؤون السياسة والحكم ليتلاعب بها الحكام تحت دعوى الضرورة السياسية، أو تحت دعوى المصلحة الموهومة، ولذلك فمن اعتقد أن للحاكم الحق في إصدار التشريعات والقوانين التي تخالف دين الله تعالى، ثم أوجب على الناس التزامها فهو بلاشك كافر زنديق كما قرر أهل العلم، قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: (إن هؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم وجوب الطاعة من دون الله كلهم كفار مرتدون عن الإسلام، كيف لا؟ وهم يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويسعون في الأرض فسادًا بقولهم وفعلهم وتأييدهم، ومن جادل عنهم أو أنكر على من كفّرهم، أو زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلًا فلا يخرجهم إلى الكفر، فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق، لأنه لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم) (9) .

ولذلك يجب عرض كل شؤون الحكم والقضاء وأنظمة الاقتصاد والعلاقات الخارجية والشؤون الداخلية على الشرع، ولا يخرج عن الشرع شيء منها ومن ادعى أن شيئًا من ذلك بيد الحاكم ولا سلطان للشرع عليه فهو كافر خارج من الملّة.

خامسًا: إن معرفة حكم الله تعالى في النظام والحكم هو أمر واجب، لما يترتب عليه من قضايا هي من صميم الإيمان والتوحيد، أما ما يترتب على ذلك من أحكام فهذا باب آخر، يتعلق بالقدرة والإعداد واستكمال الشروط وانتفاء الموانع، لكن يلزم وجوب بيان حقائق الإسلام جميعها، وأركان التوحيد كلها، حتى يعرف الحق من الباطل والإيمان من الكفر ولا تشتبه المفاهيم والرايات، فالبيان هو عهد الله إلينا،"لتبيننّه للناس ولا تكتمونه" (آل عمران 187) ، ومحاولة كتم الحق فيما يتعلق بأهم مسائل الدين تحت أي دعوى مسألة مرفوضة، كمحاولة الإرهاب الفكري الذي يمارسه بعض الشيوخ والعلماء بقولهم: إن كشف حقائق الحكام يؤدي إلى الخروج والفتنة، فهذا أمر مرفوض، لأن الفتنة العظمى هي كتم الحق وتزويره وليس بيانه.

سادسًا: إن معرفة حكم الله تعالى في الحكم والنظام مناطها ومرجعها إلى معرفة قيام الحكم بالواجبات التي فرضها الله عليه، فالإمامة إنما شرعت في الإسلام لتحقيق مقاصد شرعية ضرورية ومهمة.

هذه الواجبات والمقاصد سيتم استعراضها والوقوف على أداء النظام ليتم معرفة مدى قربه وبعده عن هذه الواجبات والمقاصد، فهل النظام حقًا قام بما أمره الله به؟ أم أنه تتبع هذه الأوامر فنقضها الواحدة تلو الأخرى، وأتى على ضدها رعاية وصيانة وحماية؟.

إن مقاصد الشريعة لا تتحقق كلها على الوجه المطلوب إلا بتطبيق الأحكام الشرعية، ورأس الأحكام الشرعية هو إقامة الحكم بما أنزل الله ونبذ ما سواه، ثم قيام النظام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة العدل في الأحكام والقضاء، وإقامة شعائر الإسلام الظاهرة ورعايتها، والتعامل مع رعيته وغيرهم على أساس الحكم الشرعي، وحفظ المال العام، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم أجمع وغيرها مما هو مذكور في كتب السياسة الشرعية.

فإذا قصّر الحاكم في هذه الواجبات أو عمل على ضدها وجب على الأمة أن تقصره على الحق قصرًا وذلك بكل أسلوب شرعي يؤدي إلى رفع الباطل وإحقاق الحق.

سابعًا: أن أمر مراقبة الحكام، وتطبيق الأمر الشرعي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أمر موكول إلى الأمة جميعها، لأن أمره صلى الله عليه وسلم بتغيير المنكر بمراتبه الشرعية المعروفة هو أمر لجميع الأمة ولكل من رأى هذا المنكر، بقوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم ... الحديث" (10) ، وهذا من صيغ العموم لأنه نكرة في سياق الشرط، ولم يأت ما يخصصه، وأما أمره صلى الله عليه وسلم بالصبر على الحكام الظلمة فهو بعدم الخروج عليهم وليس بترك مراقبتهم وأمرهم ونهيهم وهذا من باب إعمال جميع النصوص وعدم إهمال بعضها ولا تعارض بينهما.

وهذا في حق الحاكم المسلم الظالم، وأما من أتى بنواقض الإسلام أو بآحاد هذه النواقض فله شأن آخر سيتم بسطه في موضعه.

ومن الضرورة بمكان استحضار هذه المقدمات عند طرح قضية الشرعية، وذلك لأن كثيرًا ممن يجادل في قضية شائكة مثل هذ القضية، ينسى المسلمات الشرعية ويناقش من منطلقات مائعة لا تعد مرجعًا شرعيًا يعتد به، فمثلًا رغم أن كثيرًا ممن يلج هذا الميدان يدعي الالتزام بطريقة أهل السنة والجماعة فإنك تجده يصبح أشد من المعتزلة في تعطيل النصوص والاعتماد على التقدير العقلي في الدفاع عن الحكام، وأشد من الشيعة في ادعاء عصمة الحكام، وأشد من الصوفية في التسليم للحكام، ولذلك كان لابد من تحديد هذه الثوابت الشرعية والعودة إليها عند الاختلاف وإلا ضاعت القضية وتبعثر الأمر.

1)ابن القيم، إعلام الموقعين، 1/ 87 - 88.

2)ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 28/ 544. وللشاطبي كلام جميل في هذا السياق، راجع الموافقات، 4/ 165.

3)ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 28/ 233.

4)ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 28/ 233.

5)محمد بن وضاح، البدع والنهي عنها، 59.

6)انظر ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 28/ 505.

7)انظر الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 55 - 56. والفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، 28/ 349.

8)الحديث رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن.

9)محمد بن عبد الوهاب، الرسائل الشخصية ص 188.

10)الحديث رواه الخمسة إلا البخاري، انظر مسلم بشرح النووي 2/ 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت