القوة والقدرة، والصدق والأمانة- قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] وأن يكون مقتنعًا بما لديه من حجة وبرهان، واثقًا به، وبعد ذلك يمكنه أن يقيم الحجة على خصمه، وهذه المؤهلات لا تملكها أمة من الأمم السابقة، بل هي مما خص الله به هذه الأمة.
ومن هذا الباب بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته أهمية الصدق، والتحري فيما يُنْقَلُ عنه، وإخباره بأنه سَيُكذَبُ عليه، مما نبّه المسلمين عمومًا والصحابة خصوصًا لضرورة التروي في النقل عنه، وتحري أحوال الرواة نَقَلَةِ الأخبار عنه، أخرج مسلمٌ وأحمدُ عن أبي هريرة قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ يَأْتُونَكُمْ مِنْ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ لا يُضِلُّونَكُمْ وَلا يَفْتِنُونَكُمْ" (1) .
وقد عَدّ المحدثون حديث:"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ"أكثر الأحاديث رواية عنه صلى الله عليه وسلم بإطلاق، فلا يبلغ حديثٌ مبلغَه من الصحة، ولا كثرة عدد رواته من الصحابة رضوان الله عليهم، وهذا يعني أن أكثر الصحابة قد بلغهم خطرُ الكذب عليه، ولذا نجد عددًا منهم يتردد في الرواية عنه، خوفًا من الوقوع في الكذب عليه من حيث لا يدري، ولذلك أقلوا الرواية عنه جدًا، وخشي آخرون أن يوقعهم الخطأ - عند رواية حديثه - في وعيد من كذب عليه، فترى أحدهم يعقب روايته لحديثه بقوله"أو كما قال، أو نحو ذلك.- ذلك أن العرب تطلق على الخطأ لفظ الكذب-"
(1) صحيح مسلم 1/12، ومسند أحمد حديث رقم 8241 (بترقيم صخر) .