وهنا المصنف رحمه الله تعالى خالف ما عليه جماهير الأصوليين، الحكمة الشرعية غير العلة، العلة هي: الوصف الذي جُعِلَ الحكم الشرعي لأجله وجودًا وعدمًا، وأما الحكمة فهي: الأمر الذي من أجله شرع الحكم. فرق بينهما، فعلة القصر هي: السفر. والذي من أجله شرع القصر هو: المشقة. إذًا ليست هي عين العلة، فرق بينهما، نعم عند بعضهم [الحكمة الشرعية] [1] الحكمة إذا كانت منضبطة صح التعليل بها، لكن هذا غير مطرد إلا في مسائل معدودة. (وعلة الحكم هي الحكمة الشرعية في سبب الأمر به، أو النهي عنه، أو الإباحة، والله تعالى حكيم له الحكمة في كل ما شرعه لعباده من الأحكام) ولكن هذا لا يلزم أننا لا بد أن نستنبط العلل من الأحكام لا يلزم، الله حكيم ولا شك، لكن لم يشرع حكمًا إلا لحكمةٍ ولا يلزم العلم بها، قد نعلمها وقد لا نعلمها، إذًا كون الله تعالى حكيمًا لا يشرع إلا ما فيه حكمة لا يلزم أن ندَّعِي بأن الأحكام الشرعية كلها معللة، لا، وإنما نقول: الأحكام الشرعية منها تعبدية وهذا كثير ولا شك بل ذكرها ابن دقيق في (( الإحكام ) )أنه أكثر الشريعة تعبدات.
قال رحمه الله تعالى: (والله تعالى حكيم له الحكمة في كل ما شرعه لعباده من الأحكام، وقد ينص الشارع على الحكمة) . يعني: على العلة. يقصد بالحكمة هنا العلة (وقد يستنبطها العلماء بحسب معرفتهم لمقاصد الشارع العامة والخاصة) وهذا كذلك فيه شيء من التوسع في العبارة هنا، لأن العلماء إنما يستنبطون بواسطة ما يُسمى بمسالك العلة، ولا بد أن تكون منصوص عليها هذا الأصل فيها، النص والإجماع قد يدلان على العلة وهذا هو الغالب، وما عداهما يعني: النص والإجماع. فهو مختلفٌ فيه، قل ما تجد علة مستنبطة وَاتُّفِقَ عليها، هذا قليل يُعَدُّ على الأصابع، وأما الأكثر في العلل المستنبطة ففيها خلاف بين أهل العلم، لأنه ينبني عليه القياس، فإذا ادَّعَى بأن هذه علة فحينئذٍ إذا وجد هذه العلة في فرع مجهول للحكم الشرعي حينئذٍ ألحقه بالأصل، أليس كذلك؟ ولكنها علة مستنبطة، والعلة المستنبطة الأصل فيها نزاع، هل يصح التعليل بها في القياس أم لا؟ ومر معنا.
(1) سبق.