الصفحة 136 من 439

إذًا جاء بعدة أوصاف، جاء باسم الفاعل وهو الذي نقول بأنه اسم للباري جل وعلا، وجاء بصيغ أخرى غير اسم الفاعل، وهذا يدل على آحاد الفعل الذي دل عليه هذا الاسم، والخلق في كلام العرب، عرفنا الخالق اسم مدلوله اتصاف الباري جل وعلا بصفة الخلق، فالخلق في كلام العرب أصله التقدير المستقيم، هكذا قال الراغب في المفردات، أصله التقدير المستقيم، هذا الأصل فيه، وله استعمال أخرى، يعني له استعمالان: يأتي بمعنى التقدير، يعني تقدير الشيء في النفس، تقديره، يعني تزويره في النفس بشأن البشر، ويُستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاءٍ، يعني في إبداع الشيء يعني في إيجاده وإخراجه من التقدير إلى الوجود، ويُشترط فيه أن لا يكون له مثال سابق، لأن إيجاد الشيء من شيء إلى شيء على حالين، قد لا يكون له مثال سابق وهو الذي يعبر عنه بالإبداع، وقد يكون له مثال سابق، إذًا فرق بين إيجاد شيء لا سبق لأحد فيه، وهو الذي يسمى بالإبداع، وبين إيجاد شيء وله نظائر، فالثاني يُسمى خلقًا ولا يُسمى إبداعًا، والأول يسمى إبداعًا وخلقًا يسمى بالنوعين، ويُستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاءٍ. قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} . قلنا: نفسر الخلق بماذا؟ أي أبدعهما وهو إيجاد الشيء على غير مثال سابق، بدليل ماذا؟ بدليل قوله في آية أخرى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . إذًا هل كل خلق إبداع؟ الجواب: لا، هل كل إبداع خلق؟ الجواب: نعم، أيهما أعمّ وأيهما أخصّ؟ الخلق أعم والإبداع أخص، ولذلك لما جاء قوله: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} المراد بالخلق هنا إيجاد الشيء على غير مثال سابق، ما الدليل؟ وإن كان الحس يدل على ذلك لكن ما الدليل؟ نقول: قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . ويستعمل في إيجاد الشيء من الشيء، يعني إخراج الشيء من شيء آخر نحو قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1] . {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} هذا إخراج شيء من شيء {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} هذا كذلك إيجاد شيء من شيء ويُسمى خلقًا، وليس الخلق الذي هو الإبداع إلا لله تعالى، يعني الخلق بمعنى التقدير قد يتصف به المخلوق، أليس كذلك؟ الخلق قلنا: يأتي بمعنى التقدير ويأتي بمعنى إبداع الشيء بمعنى إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاءٍ، الثاني خاص بالباري جل وعلا، وأما الخلق الذي هو بمعنى التقدير فهذا يجوز إطلاقه على ماذا؟ على المخلوق، إذًا أصل اللفظ الخلق ليس خاصًا بالباري جل وعلا من كل وجه، وإنما يستفسر فيه فيقال الخلق في لسان العرب وكذلك في الشرع، يَرِدُ بمعنيين، فما المراد به؟ فإن كان المراد به بمعنى التقدير فحينئذٍ هذا قدر مشترك في أصل المعنى، وإن كان المراد به الإبداع وهو إيجاد الشيء على غير مثال سابق هذا ليس إلا من خصائص الباري جل وعلا، وأما الذي يكون بالاستحالة يعني إيجاد الشيء من الشيء فقد جعله الله تعالى لغيره في بعض الأحوال كعيسى حيث قال: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي} [المائدة: 110] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت