لأنه تفريع لما سبق (وَحَاكِمٌ جَلَّ بِمَا أرَادَهْ) حاكم قلنا: كونًا وشرعًا فمن الفاء هذه للتفصيل ويحتمل أنها للتفريع تحتمل الوجهين، (فَمَنْ يَشَأْ) مَنْ هذه شرطية عامة، (يَشَأْ) هذا فعل الشرط (يَشَأْ) يعني يشأ الله عز وجل، والمفعول به دائمًا به في فعل المشيئة يكون محذوفًا، يشأ ماذا؟ (فَمَنْ يَشَأْ وَفَّقَهُ) ، (وَفَّقَهُ) هذا جواب الشرط، ويشأ هذا متعدٍّ يعني ينصب مفعولًا به، أين المفعول به؟ نقول: محذوف، يعني من يشأ توفيقه وهدايته، و (يَشَأْ) فعل الشرط وجوابه (وَفَّقَهُ) ودله وأرشده وجعل قلبه قابلًا للخير، فهداية القلوب إليه وحده جل وعلا، وأفرد الضمير في قوله: ... (وَفَّقَهُ) ولم يقل وفقهم، (فَمَنْ يَشَأْ وَفَّقَهُ) قلنا: مَنْ هذه عامة، وإذا كانت عامة فحينئذٍ معناها الجمع، قال: (وَفَّقَهُ) . ما السبب؟ مراعاةً للفظ مَنْ، يعني لفظ مَنْ مفرد ومعناها الجمع، إذا عطفت أو رجعت الضمير يجوز مراعاة المعنى فتجمع ويجوز مراعاة اللفظ فتفرد. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقر: 8] ، ... {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ} لم يقل: من يقولون، قال: {يَقُولُ} يعني واحد مراعاةً للفظ مَنْ ثم قال: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} . رد الضمير هنا باعتبار المعنى، على كل مِنْ هي صيغة عموم يجوز مراعاة المعنى فيرد الضمير جمعًا، ويجوز مراعاة اللفظ فيرد الضمير مفردًا. هنا قال: (وَفَّقَهُ) أفرد الضمير مراعاةً للفظ من، يعني لم يقل وفقهم، (بِفَضْلِهِ) متعلقًا بـ ... (وَفَّقَهُ) والباء سببية بسبب فضله، والفضل هو العطاء والزيادة على الاختصار (وَمن يَشَأْ أضَلَّهُ بِعَدْلِهِ) ، (وَمن يَشَأْ) سبحانه إضلاله كذلك تقدر المفعول به من يشأ إضلاله أضله عن الحق والطريق المستقيم (بِعَدْلِهِ) والباء سببية، والعدل هو القسط، (بِعَدْلِهِ) يعني بالقسط وهو وضع الشيء في موضعه اللائق به. قال الله عز وجل: {مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39] . قال تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 178] . قَسَّمَ الناس إلى قسمين: مهتد، وضال. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبته: «من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له» . قسَّم الناس إلى قسمين، وقال - صلى الله عليه وسلم - والحديث في مسلم السابق كذلك الآتي: «اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، إنك أنت وليها ومولاها» . والمعنى من شاء الله سبحانه أن يَدُلَّهُ ويُرشده ويُوفقه ويجعل قلبه قابلًا للخير هداه سبحانه وتعالى ووفقه، فهداية القلوب إليه سبحانه يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، فلا تُطلب الهداية إلا منه جل وعلا، فهو الهداية كما قال في الحديث السابق: «من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له» . وجاء في الحديث كذلك: «كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم» . وليس ما هنا معارضًا لما جاء في حديث عياض بن حمار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «يقول الله: خلقت عبادي حنفاء» .