وفي رواية المسلمين «فاجتالتهم الشياطين» . إذا كان الله عز وجل قسّم الناس إلى نوعين أو إلى قسمين من شاء إضلاله أضله ومن شاء هدايته هداه، حينئذٍ كيف يُوَفَّقُ ذلك مع الحديث «خلقت عبادي حنفاء» يعني مهتدين، فكيف يشاء الله وهو عز وجل ذلك ويكون في ظاهر النص معارضًا له؟
نقول: ليس ثَمَّ معارضة، فإن الله تعالى خلق الخلق وجبلهم فطرةً على قبول الإسلام والدين، حينئذٍ يكون هو مهتدٍ بالقوة، فإن وجد السبب في تعليمه صار ماذا؟ صار مهتديًا بالفعل، فما مضى يكون في الشقاء والإضلال والهداية بالفعل، وهذا الحديث يدل على الهداية وقبول الهداية بالقوة، فلا تعارض بين الأمرين.
قال الشارح: فإن الله خلق بني آدم وفطرهم على قبول الإسلام والميل إليه دونه غيره، والتهيؤ لذلك والاستعداد له بالقوة، لكن لا بد للعبد من تعلم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعليم جاهلٌ لا يعرف شيئًا كما قال سبحانه: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78] ... الآية، فإن هداه الله سبب له من يعلمه الإسلام فصار مهديًا بالفعل، إذًا أمران هداية، وتهيئةٌ من حيث الفطرة لقبول الدين، وعنده ميل وعنده شيء باطن، فإن عُلِّمَ حينئذٍ فقبل الإسلام والدين اجتمع فيه الهديتان: هداية بالقوة، وهداية بالفعل. بعد أن كان مهديًا بالقوة، وإن خذله قيض له ما يغير له فطرته، كما قال - صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» .. الحديث، إذًا لا تعارض بين كون الباري جل وعلا يهدي من يشاء ويضل من يشاء وبين حديث عياض بن حمار «خلقت عبادي حنفاء» يعني فطرةً، فإن وُجِدَ من يعلمهم الإسلام اجتمع فيهم الأمران: الهداية بالقوة، والهداية بالفعل. وإن وُجِدَ من يضلهم بسبب مما قيضه الله عز وجل له حينئذٍ ينصرف عن الأصل، وفي الآيات السابقة إثبات الهداية لله سبحانه وتعالى وأنه الهادي لا سواه ومن أسمائه سبحانه الهادي وهو الذي بَصَّرَ عباده وعرفهم طريق معرفته، وهدى كل مخلوق إلى ما لا بد له من منه.
تنقسم الهداية عند أهل العلم إلى قسمين:
الأولى: هداية خاصة بالباري جل وعلا، لا هادي غيره ولا تطلب إلا منه، وهي هداية التوفيق والقبول والإلهام. يعني انشراح الصدر وقبول الحق هذه خاصة بالباري جل وعلا وهي المستلزمة للاهتداء، وهي المذكورة في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] . فنفى الله تعالى عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يهدي من أحبه، والمراد بالهداية هنا هداية التوفيق، يعني أن يدخل وأن يكون ثَمَّ تصرفٌ في قلبه.
النوع الثاني: الهداية العامة وهي هداية دلالة والإرشاد والبيان، يعني الإفصاح، وهي المذكورة في قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] . جاء إثبات الهداية للنبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الموضع، وجاء في الموضع السابق النفي كيف نجمع بينهما؟