نقول: كل منهما يُنَزَّلُ على حالة مغايرة للحالة الأخرى {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يعني تبين وترشد وتعلم، {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} يعني ليس لك دخل في قلوب الناس، وإنما الذي يشرح الصدر والقلب هو الباري جل وعلا. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - هو الْمُبَيِّن عن الله تعالى والدَّال على دينه وشرعه، وكذلك الأنبياء وأتباعهم، وهذه الهداية لا تستلزم الاهتداء، يعني قد يقبل وقد لا يقبل، الهداية السابقة تستلزم الاهتداء بمعنى إذا شرح الله صدره وقلبه للإسلام أو للطاعة فحينئذٍ إذا بُيِّنَ له اهتدى، وأما الثاني فلا تستلزم الأولى، ولهذا ينتفي معها الهدى كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] . قال: ... {فَهَدَيْنَاهُمْ} ثم قال: {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} كيف نسفر الأمرين؟ نقول: {فَهَدَيْنَاهُمْ} أي بينا لثمود وأرشدناهم فلم يهتدوا، يعني لم يجعل الله عز وجل قلوبهم منشرحةً لذلك، فالهداية المنفية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره هي هداية التوفيق والقبول، وأما المثبتة له كغيره من الأنبياء والمرسلين وأتباعهم فهي هداية الدلالة والإرشاد، وهذا واضح بين.
فَمِنْهُمُ الشَّقِيُّ والسَّعِيدُ ... وَذَا مُقَرَّبٌ وَذَا طَريدُ