(فَمِنْهُمُ) الفاء للتفريع أو للتفصيل، أي من عباده، (الشَّقِيُّ) فمن حينئذٍ تكون للتبعيض، يعني بعضهم قسّم العباد إلى نوعين، ما دام أن ثَمَّ هداية وإضلال حينئذٍ العباد باعتبار الأصل إما شَقِيٌّ وإِمَّا سعيد، (فَمِنْهُمُ الشَّقِيُّ) أي بعض عباده أو من عباده الضمير يعود إلى عباده بالمعنى الأعم شامل المؤمن والكافر، (فَمِنْهُمُ) أي من عباده، (الشَّقِيُّ) فمن للتبعيض، أي بعضهم وهو الشقي من أضله بعدله، من أضله بعدله هو الشقي، والشقاوة خلاف السعادة، يقال: شَقِيَ يَشْقَى شَقْوَةً وَشَقَاوَةً وَشَقَاءً، حينئذٍ يقابل بضده، (والسَّعِيدُ) أي ومنهم السعيد، أي وبعضهم من عباده بعضهم السعيد وهو من وفقه وهداه بفضله، يقال: سَعَدَ وَأَسْعَدَهُ الله، وَرَجُلٌ سَعِيدٌ وَقَوْمٌ سُعَدَاء، السعيد من سَعِدَ بقضاء الله، والشقيّ من شَقِيَ بقضاء الله، فالله الحمد على فضله وعدله، (وَذَا مُقَرَّبٌ وَذَا طَريدُ) ، (وَذَا مُقَرَّبٌ) من هو؟ السعيد (وَذَا طَريدُ) من هو؟ الشقيّ، (وَذَا مُقَرَّبٌ) بتقريب الله إياه إليه وهو السعيد، (وَذَا طَريدُ) بإبعاد الله إياه وهو الشقيّ البعيد، والطرد هو الإذلال، والإبعاد على سبيل الاستخفاف، وفي البيت لف ونشر غير مرتب يعني مشوش، أليس كذلك؟ قال: ... (فَمِنْهُمُ الشَّقِيُّ والسَّعِيدُ) . قدم الشقي على السعيد، ثم قال: (وَذَا مُقَرَّبٌ) . الذي هو السعيد (وَذَا طَريدُ) الذي هو الشقي، {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ} [آل عمران: 106] بدأ بالثاني، وهذا يُسمى ماذا؟ لفًّا ونشرًا مشوشًا يعني غير مرتب، وقد يكون مرتب، فبيده تعالى الهداية والإضلال والإشقاء والإسعاد، فهدايته العبد وإسعاده فَضْلٌ منه جل وعلا ورحمة، وإضلال وإبعاده عَدْلٌ منه وحَكْمَة، وهو أعلم جل وعلا بمواقع فضله وعدله، وهو الحكيم العليم، الذي يضع الأشياء مواضعها وهو أعلم بمن هو محل الهداية فيهديه، ومن هو محل الإضلال فيضله وهو أحكم الحاكمين، وهو عليم بالمتقين، وعليم بالظالمين، وعليم بالمهتدين، وهو أعلم بالشاكرين، وأعلم بما في صدور العالمين، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، وهو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى، وله في ذلك الحكمة البالغة والحجة الدامغة كما قال الشارح رحمه الله تعالى، ولذا قال:
لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ قَضَاهَا ... يَسْتَوْجبُ الْحَمْدَ عَلَى اقتِضَاهَا