الصفحة 203 من 439

(لِحِكْمَةٍ) اللام للتعليل يعني كل ما مضى من الإضلال والإشقاء والإسعاد ونحوه فهو لحكمة، والحكمة كما مر عبارة عن أفضل الأشياء بأفضل العلوم، أو وضع الأشياء مواضعها، فإذا أشقى الباري جل وعلا عبدًا فلم يظلمه وإنما وضع الشيء في موضعه، (لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ) البلوغ والبلاغة الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى مكانًا أو زمانًا أو أمرًا من الأمور المقدرة، و (لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ) أي بلغت المنتهى في الإتقان ووضع الشيء في موضعه، حكمة بالغةٍ، أي بلغت المنتهى في وضع الشيء في موضعه، ... (قَضَاهَا) القضاء فصل الأمر قولًا كان ذلك أو فعلًا، وقوله: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 12] . إشارة إلى إيجاده للداعي والفراغ منه، (لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ قَضَاهَا) ، أي أن جميع أفعاله جل وعلا من هدايته من يشاء وإضلاله من يشاء، وإسعاد من يشاء وإشقاء من يشاء، وجعله أئمة الهدى يهدون إلى الحق بأمره، وأئمة الضلالة يهدون إلى النار، وإلهام كل نفس فجورها وتقواها، وجعله المؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا عاصيًا مع قدرته التامة الشاملة، وأنه لو شاء لجعل الناس أمةً واحدة ولو شاء لجمعهم على الهدى ولو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعًا، ولكن هذا الذي فعله بهم من قِسْمَتِهِم إلى ضالٍ ومهتدٍ وشقيٍّ وسعيد ومقرب وقريب وطائع وعاصٍ ومؤمن وكافر وغير ذلك هو مقتضى حكمته، وموجب ربوبيته، وحكمته جل وعلا حكمة حق، وهي صفته القائمة به كسائر الصفات، وهي متضمن اسمه الحكيم، وهي الغاية المحبوبة له، ولأجلها خلق فسوى وقدر فهدى، وأسعد وأشقى، ومنع وأعطى، وخلق السماوات والأرض والآخرة والأولى، فهو سبحانه الحكيم في خلقه وتكوينه، الحكيم في قضائه وقدره، الحكيم في أمره ونهيه وجميع شرعه، فإن أسماءه وصفاته صفات كمال وجلال، وأفعاله كلها عدل وحكمة والفعل لغير حكمة عبثٌ، فكل ما فعله الله عز وجل من الأحكام الشرعية والأحكام الكونية إنما يكون لحكمةٍ يعلمها جل وعلا، إذ لو لم نجعل هذا لحكمة لجعلناه عبثًا، والعبث هذا صفة نقص والباري جل وعلا منزه عن النقائص، والله تعالى منزه بجميع أسمائه وصفاته وأفعاله عن جميع النقائص، فجميع ما خلقه وقضاه وقدره خير وحكمة من جهة إضافته إليه سبحانه وتعالى، وكذلك جميع ما شرعه وأمر به كله حكمة وعدل، وما كان من شَرٍّ في قضائه وقدره فمن جهة إضافته إلى فعل العبد، لأنها معصية مذمومة مكروهة للرب غير محبوبة، وأما من جهة إضافته للرب عز وجل فخير محض، فالله عز وجل لا يَخْلُقُ إلا خيرًا، وأما ما يكون في بعض المخلوقات من الشر، حينئذٍ يكون هذا بالنسبة للعبد لا إلى الباري جل وعلا، فالخلق لا يكون فيه شر البتة، وإنما الشر يكون في ماذا؟ في المخلوق والقضاء كله خير، والشر إنما يكون في المقضي، ولحكمة بالغة وعدل تام وغاية محمودة لا شر فيها البتة، ولهذا قال تعالى فيما قصه عن الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10] . لما قالوا: {أَشَرٌّ أُرِيدَ} . بنو الفعل - لا تقول مجهول - بنو الفعل لمغير الصيغة، إذا قلت: للمجهول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت