يعني حذفت الفاعل لجهله، وهذا قلنا: دائمًا غلط، غلط من جهة النحو وغلط من جهة المعنى، وهذا موضع هنا شاهد عليه {أُرِيدَ} مبني للمجهول، من المجهول؟ الله عز وجل، هكذا يكون التقدير وهذا باطل، وإنما حُذِفَ الفاعل هنا للحكمة التي بينها أهل العلم لئلا يَظُنّ الظَّانّ بأن الشر وصف للباري جل وعلا، بأن يكون قضاؤه فيه شَرّ وليس كذلك، أو خلقه يكون فيه شّرّ وليس كذلك، وإنما الشَّرّ في المخلوق وفي المقضي، فبنا الفعل في إرادة الشر للمفعول لأنه لا شَرّ في حقه تعالى. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعاء الافتتاح في صلاة الليل: «لبيك اللهم وسعديك والخير كله في يديك والشَّرّ ليس إليك» . نفاه كله «والشَّرّ» . كل الشر، فنفى أن يُضاف الشر إلى الله جل وعلا بوجه من الوجوه، وإن كان هو الذي خلقه هو خالقه جل وعلا، لأنه ليس شَرًّا من جهة إضافته إليه عز وجل، وإنما كان شَرًّا من جهة إضافته إلى العبد، لأن السيئات كما قال الشارح ولذلك لأن الشَّرّ ليس إلا السيئات وعقوبتها، وموجب السيئات شّرُّ النفس وجهلها، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا» . «من شرور أنفسنا» . أضاف الشَّرِّ إلى النفس لا إلى الباري جل وعلا، «وسيئات أعمالنا» أضاف السيئات إلى الأعمال، وقال - صلى الله عليه وسلم - في سيد الاستغفار: «أعوذ بك من شر ما صنعتُ» . أضاف الشر إلى الصُّنع نفسه «أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» . وقال تعالى في حكايته استغفار الملائكة للمؤمنين: {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [غافر: 9] . ومن وقاه الله السيئات وأعاذه منها فقد وقاه عقوبتها من باب الاستف ... #38.11 إذا تقرر ذلك عُلِمَ أن موجب السيئات هو الظلم والجهل، يعني لا تقع سيئة إلا بسبب، وهو الظلم والجهل {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] ، وذلك من نفس العبد وهي أمور ذاتية لها، يعني مصدرها العبد ذاته، وأن السيئات هي موجب العقوبة، والعقوبة من الله عدل محض، وإنما تكون شَرًّا في حق العبد لِمَا يلحقه من أَلَمِهَا وذلك بما كسبت يداه جزاءً وفاقًا كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ} . الباء سببية {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] ، وقال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزخرف: 76] . وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44] .