الصفحة 439 من 439

وجاء أيضًا من مراسيل الحسن نحوه، وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد لا إله إلا الله إذا قال ذلك يقتضي لا بد من ذلك، يعني المقتضى مطلوبٌ بمعنى أنه لا يصح القول بمجرد القول فحسب، يقتضي أن لا إله غير الله والإله الذي يطاع ولا يعصى هيبةً وإجلالًا ومحبةً وخوفًا ورجاءً وتوكلًا عليه وسؤالًا منه ودعاءً له، ولا يصلح ذلك كله لغير الله عز وجل، فمن أشرك مخلوقًا في شيءٍ من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه، في قوله: لا إله إلا الله ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك وهذا كله من فروع الشرك، يعني أعمال القلب السابقة منها ما قد يُؤثر انتفاؤه في انتفاء التوحيد فيقع في الشرك الأكبر، ومنها ما لا قد ينتفي لكنه يكون فيه شيءٌ من النقص، فلا يخرج به عن التوحيد ويبقى على الإسلام لكنه يُعتبر من الشرك الأصغر ونحوه، ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثيرٍ من المعاصي التي منشأها من طاعة غير الله عز وجل أو خوفه أو رجائه أو التوكل عليه أو العمل كما ورد إطلاق الكفر والشرك على الربا وهو ليس بمخرجٍ من الملة لكنه شركٌ دون شرك، وعلى الحلف بغير الله عز وجل وهو شركٌ دون شرك، وعلى التوكل على غير الله والاعتماد عليه، وعلى من سوى بين الله وبين المخلوق في المشيئة مثل أن يقول ما شاء الله وشاء فلان هذا شركٌ أصغر، وكذا قوله: ما لي إلا الله وأنت، وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنفع والضر كالطيرة والرقى المكروهة الرقى المحرمة يعني، وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون، كذلك إتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه قادحٌ في تمام التوحيد وكماله، ولهذا أطلق الشرع على كثيرٍ من الذنوب التي منشأه من هوى النفس أنها كفرٌ وشركٌ كقتال المسلم ومن أتى حائضًا أو امرأةً في دبرها ومن شرب الخمر في المرة الرابعة وإن كان ذلك لا يخرجه من الملة بالكلية ولهذا قال السلف دون كفرٍ وشركٌ دون شركٍ.

وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان: 43] . قال الحسن رحمه الله تعالى: هو الذي لا يهوى شيئًا إلا ركبه. وقال قتادة: هو الذي كلما هوى شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع. ورُوِيَ من حديث أبي أمامة مرفوعًا بإسنادٍ ضعيف ما تحت ظل السماء إلهٌ يُعبد أعظم عند الله من هوًى متبع. وفي حديثٍ آخر «لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن أصحابها حتى يُؤثر دنياهم على دينه، فإذا فعلوا ذلك ردت عليهم ويقال لهم: كذبتم» . ويشهد لهذا الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش» . فدل هذا على أن من أحب شيئًا وأطاعه وكان من غاية قصده ومطلوبه ووالى لأجله وعادى لأجله فهو عبده وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه.

ونقف على هذا، والله أعلم.

وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى، وآله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت