يعني هذه وظيفةٌ من وظائف الرسل أنهم مبشرون ومنذرون {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} وانقطعت حجة الخلق على الله بإرسال أرسل وإنزال الكتب كما قال سبحانه وتعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الانشقاق: 24] يعني إن عصوا ربهم جل وعلا، وأول هؤلاء الرسل الذي أرسلهم الله عز وجل مبشرين ومنذرين (نُوحٌ عَلَيْهِ الْسَّلاَمُ) ، وكان بينه وبين آدم عليه السلام عشرة قرون كلهم على الإسلام، فلما حدث الشرك بسبب الغلو في الصالحين أرسل الله عز وجل إليهم نوحًا وهو أول رسولٍ إلى أهل الأرض، (وَآخِرُهُمْ) أي آخر رسل إلى أهل الأرض (مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -) ، (وَالْدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ - عليه السلام - قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ} [النساء: 163] ) يعني من بعد نوح عليه السلام ولو كان هناك نبي قبل نوحٍ لذُكر في هذه الآية لأنه قال: ( {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} ) لو كان ثَمّ من يوحى إليه قيل نوح لذكره الله تعالى فلما بدأ بنوح دلّ على أنه أول الأنبياء، ولم يذكر المصنف رحمه الله تعالى دليل على أن خاتم الأنبياء هو محمد - صلى الله عليه وسلم - لوضوحه لأنه يخاطب أمة محمد عليه الصلاة والسلام، والدليل على أنه آخر الأنبياء وخاتمهم قوله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40] فلا نبي بعده، ومن ادَّعَى النبوة بعده فهو كاذبٌ كافرٌ مرتد عن الإسلام، كل من ادَّعَى النبوة حينئذٍ نحكم عليه بأنه مرتد عن الإسلام (وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِمْ رَسُولًا) كل أمة من الأمم وطائفٍ من الطوائف (بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِمْ رَسُولًا) يعني إقامة منه تعالى للحجة على عباده (مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْطَّاغُوتْ) يعني وظيفة الرسل هي الدعوة إلى عبادة الله تعالى وحده ومجانبة وترك الطاغوت، والدليل قوله تعالى: ( {وَلَقَدْ بَعَثْنَا} [النحل: 36] ) ( {وَلَقَدْ} ) يعني والله قد بعثنا هذا جواب في قسم مقدر أي أرسلنا في كل أمةٍ من الأمم وطائفة من الطوائف رسولًا حينئذٍ الرسالة عمت كل أمةٍ وأن دين الأنبياء واحد، وهو ما أشار إليه بقوله: ( {أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} ) ، {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] دلّ ذلك على أن دعوة الرسل موحدة وأنها تدعوا إلى شيءٍ واحد وهو عبادة الله تعالى وحده دون ما سواه (وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالْطَّاغُوتِ، وَالإِيمَانَ بِاللهِ) وهذا هو معنى لا إله إلا الله، وهو الذي دلت عليه الآية السابقة ( {اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} ) وافترض الله على جميع العباد أعلى الفرائض وهما أجمع عليه أهل العلم، بل ما أجمع عليه الرسل (الْكُفْرَ