الذي دلت عليه النصوص أنهما بمعنًى واحد، ولا ينبني علي هذا الخلاف ثمرةٌ في الدنيا لأن الأحكام واحدة المترتبة على المشرك شركًا أكبر أو الكافر كفرًا أكبر متحدًا في الدنيا لا يُصَلَّى عليه ولا يَرِثُ، ولا يُورَثُ إلى آخره، وكذلك في الآخرة هو خالدٌ مخلدٌ في النار، وإنما هو تحقيقٌ مصطلحٍ شرعيٍّ فحسب (فَهُوَ) ، أي (مَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ الْلَّهِ) ، (مُشْرِكٌ كَافِرٌ) مشركٌ الشرك الأكبر كافرٌ الكفر الأكبر وإذا أطلق الشرك انصرف إلى الأكبر وإذا أطلق الكفر انصرف إلى الأكبر هذا هو الأصل في استعمال الشرع لهذين اللفظين ولذلك قال المصنف: (فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ) أي الأكبر من النوعيين، وهو مشركٌ لأنه أشرك مع الله غيره، وكافرٌ لأنه جحد حقًا لله تعالى وصرفه لغيره (وَالَّدلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَن يَّدْعُ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [المؤمنون: 117] ) الدليل على ماذا؟ على أن من دعا مع الله غيره (فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ) الدليل الآية التي ذكرها رحمه الله تعالى ( {وَمَن يَّدْعُ} ) ، ( {مَن} ) شرطية بدليل قوله: ( {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ} ) الفاء واقعة في جواب الشرط ( {وَمَن يَّدْعُ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} ) البرهان لغةً هو الحجة والدليل، بل هو أقواها أقوى الأدلة يُسِمَّى برهنًا ( {لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} ) الجملة نعت لقوله: ( {إِلَهًا} ) والمراد به بيان الحقيقة لا للاحتراز، فليس عندنا إله له برهان، وإله ليس له برهان، لا كل من عبد من غير الله عز وجل وإن سُمِّيَ إلهًا في الشرع ليس له برهان ( {لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} ) هذا لبيان الحقيقة حقيقة من دُعِيَ مع الله تعالى من أنه لا حجة له صحيحة، فهو وصفٌ كاشف فائدته زيادة البيان والتوضيح كالآية السابقة: {اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة: 21] . تسمى صفةً كاشفة لزيادة البيان والتوضيح، ( {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} ) إذًا ( {مَن يَّدْعُ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} ) ما الذي يترتب عليه؟ ( {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} ) حسابه سيحاسب وهذا اللفظ قد لا يؤخذ منه أنه كافرٌ أو أنه مستحقٌ للخلود في النار، لكن قوله: ( {إِنَّهُ} ) هذا نتيجة الحساب ( {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} ) ثم نتيجة الحساب ما هي؟ ( {إِنَّهُ لا يُفْلِحُ} ) هذه من صيغ العموم، فعل مضارع منسبقٌ من مصدر الزمن والمصدر نكرة حينئذٍ نفى عنه الفلاح مطلقًا ليس له حظٌّ من الفلاح وهذا لا يكون إلا للكافر، وأما المؤمن فمصيره إن لم يتب حينئذٍ يكون تحت المشيئة لا ينفى عنه الفلاح مطلقًا ولا يثبت له ( {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} ) ، ( {لا يُفْلِحُ} ) ..