هذه المسألة والمسائل السابقة والمسائل الآتية يُبين فيها المصنف رحمه الله تعالى أن أهل الجاهلية ومن كان على شاكلتهم من بعدهم عندهم في معرفة الحق من الباطل أصول قد بنو عليها دينهم، ولذلك مر في المسألة الرابعة ... (أن دينهم مبني على أصول) ، إذًا أصول محدثة، وهذه الأصول مختلفة باختلاف الأزمان والأشخاص وباختلاف الأماكن ونحوها إلا أن بعضها أعظم من بعض، ولذلك بَيَّن أن التقليد هو أعظمها، ومن هذه الأصول التي يَزِنُون بها الحق من الباطل ويحكمون على أن هذا الدين هو الحق وأن هذا الدين هو الباطل وأن هؤلاء الأتباع على حق أو هؤلاء الأتباع على باطل بميزان القوة والضعف، كما سينص في المسألة الآتية، فهؤلاء في هذه المسألة يستدلون على كون الشيء حقًّا أو باطلًا بما كان عليه أقوام هم أقوياء عندهم، يعني: في نظرهم، ولأن الحكم بالقوة والضعف حكم نسبي يختلف من شخص إلى شخص آخر، هؤلاء يرون أن هؤلاء الأقوام أقوياء عندهم، إما لقوة في الفهم والذكاء والعقل، وكذلك علم بالكتاب كأهل الكتاب مثلًا، وإما لقوة في المال والجاه والملك، وهذه هي التي يعنون لها بالقوة، فمن كان قويًّا فيها حينئذٍ دل على أن معرفته للحق أقوى من غيره، وكانت إصابته للحق أكثر من غيره، فالذكي هو دائمًا يكون على الحق وصاحب الجاه والملك والمال دائمًا يكون على حق، ولذلك دائمًا يأتي قوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ} . المراد بهم الأشراف، فالميزان هو ما ذكروه بأنهم يجعلون الفارق بين الحق والباطل هؤلاء الأقوياء الذين هم في نظرهم وهذه القوة إنما هي متمثلة في الفهم والعمل وفي الملك والمال والجاه، فهم يجعلون الفارق بين الحق والباطل هؤلاء الأقوياء، فما كان عليه الأقوياء فهو الحق، وما كان عليه الضعفاء والفقراء فهو باطل، وهذا ميزان لا شك أنه ميزان فاسد في معرفة الحق من الباطل وفي الحكم على كون دين أو الأتباع أنهم على حق أو على باطل هذا الميزان الذي جرى عليه أهل الجاهلية إنما هو ميزان باطل فاسد، وعليه لا يُقرر بأن من كان على قوة فهو على حق، ومن كان ضعيفًا فهو على باطل، نقول: هذا ميزان جاهلي. فإن الله عز وجل أخبر عن الأمم الكافرة السابقة أنها كانت قوية في ملكها ومالها وجاهها وعندهم من العلم والفهم والذكاء الكثير والكثير، لكن هل نفعهم ذلك في نجاتهم في الدنيا كذلك في الآخرة؟ الجواب: لا، لكن لم ينفعهم ذلك لما كفروا بل كانوا على الباطل، ولذلك لما قال من قال: {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فصلت: 15] . كذلك جاء قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: 73] . فرد الله تعالى عليهم: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} [مريم: 74] وقال جل وعلا: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فاطر: 44] .