ولكن لم تنفعهم هذه القوة، وقال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا} [ق: 36] . وهذا البطش لم ينفعهم، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} [الفجر: 6 - 9] . هذه آيات تدل على أن الأمم السابقة الكافرة الذين أهلكهم الله عز وجل كانوا على قوة في البدن كما أنهم كانوا على قوة في الفهم والذكاء، كذلك كانوا على قوة في المال والجاه والملك، ولكن لما كفروا ولم يؤمنوا بالله لم تنفعهم تلك القوة، استدل المصنف هنا رحمه الله تعالى بقوله: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [الأحقاف: 26] . ولذلك بين المصنف أن هذه الآية رد الله تعالى بها ذلك الميزان فرد الله عليهم بقوله، قال ابن جرير رحمه الله تعالى في الآية: يقول تعالى ذكره لكفار قريش ولقد مكنا أيها القوم عادًا الذين أهلكناهم بكفرهم فيما لم نمكنكم فيه من الدنيا، وأعطيناهم منها الذي لم نعطكم منها من كثرة الأموال وبسطة الأجسام وشدة الأبدان. ثم قال: وقوله: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا} يسمعون به مواعظ ربهم {وَأَبْصَارًا} يبصرون بها حجج الله، {وَأَفْئِدَةً} يعقلون بها ما يضرهم وينفعهم، إذًا عندهم من الوسائل وسائل العلم والتبصرة والذكرى ما جعله الله عز وجل له من السمع والبصر والفؤاد {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ} يقول: فلم ينفعهم ما أعطاهم من السمع والبصر والفؤاد، إذ لم يستعملوها فيما أعطوا له، ولم يعملوها فيما ينجيهم من عقاب الله، ولكنهم استعملوها فيما يقربهم من سخطه، إذًا هذه وسائل وسَائل علم لمن انتفع بها سينتفع بإذن الله ومن هجرها ولم ينظر فيها نظر المتأمل المتدبر حينئذٍ لن تنفعه شيئًا، كما استدل بقوله تعالى مخبرًا عن اليهود: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] . يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: وكانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين، وهذا شأن اليهود والنصارى، شأن اليهود كانوا يقرؤون أنه سيبعث نبي في آخر الزمان وقد ظنوا أنه منهم من جنسهم من بني إسرائيل، وكانوا يستفتحون، يعني: يطلبون الفتح على المشركين بمجيء هذا الرسول بهذا الكتاب، يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم.