فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 397

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: {وَقَالُوا} أي: كالمعترضين على الذي أنزله الله تعالى وتقدس، {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} أي: هل كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟ يعنون مكة والطائف، أرادوا بذلك الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي، وقيل غير ذلك. يعني بتفسير الرجلين فيه اختلاف بين أهل العلم، قال ابن كثير: والظاهر أن مرادهم رجل كبير من أيّ البلدتين كان. يعني: العظماء والأشراف، هذا المراد أيّ رجل شريف من أشراف مكة أو من أشراف الطائف هو الذي يكون أهلًا لأن ينزل عليه القرآن دون محمد الذي يعتبرونه أدنى من ذلك، ثم قال تعالى رادًّا عليهم في هذا الاعتراض: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} [الزخرف: 32] . أي: ليس الأمر مردودًا إليهم بل إلى الله عز وجل والله أعلم حيث يجعل رسالاته، فإنه لا يُنَزِّلُهَا إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم بيتًا، وأطهرهم أصلًا، فدل على أن ذلك اصطفاء، {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى} ، إذًا دل على أن الله تعالى إنما يختار من بني آدم من هو أهل لأن يكون محلًا للرسالة، [ولولا أن يكون] ثم قال الله تعالى بعد ذلك: {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} . أي: لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه فيجتمع على الكفر لأجل المال، {لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ} أي: سلالم ودرجًا من فضة، {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} ، أي: يصعدون، {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا} ، أي: أغلاقًا على أبوابهم، {وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ} ، أي: جميع ذلك يكون فضة، ... {وَزُخْرُفًا} أي: وذهب. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

فدل ذلك على أنه ليس الميزان أن الله تعالى إذا أعطى شخصًا إنما يكون إعطاؤه له محبة له، بل قد يكون ابتلاءً، فليس كثرة المال علامة على رضا الرب جل وعلا عن العبد، وليس كثرة الأولاد ولا الملك علامة على أن الله تعالى أراد بالعبد خيرًا، هذه قد تكون نعم وقد تكون نقم، والنظر حينئذٍ يكون في النتيجة وبالتعامل مع المال ونحوه، فالذي ينفق المال في طاعة الله حينئذٍ نعلم أن الله تعالى أحبه وأعطاه هذه النعمة فصرفها فيما أراده الله عز وجل منه، وإذا صرفها في غير طاعة الله علمنا أنها ليست بنعمة وإنما هي نقمة {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 35] .

إذًا (المسألة الثامنة: الاستدلال على بطلان الشيء بأنه لم يَتَّبِعْهُ إلا الضعفاء) وقد بين الله عز وجل أن الضعفاء قد يكونوا على الحق ... وعلى الدين الصحيح، وأن الأقوياء قد يكونون على الدين الباطل وقد ذكر المصنف آيتين ورد الله تعالى عليهم بقوله: {أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت