فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 397

والحاصل: أن العبرة في معرفة الحق من الباطل هو ما جاء به الرسل من عند الله تعالى، وليس للقوة ولا للضعف اعتبار في ذلك، ومن ذلك قوله تعالى مما يدل على ما سبق قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} . من؟ هل الذين اتبعوا الرسل؟ أم الذين خالفوا الرسل؟ {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ} ، يعني: الذين كفروا أو المؤمنون، {خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} .

قال ابن كثير: يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة، بينة الحجة، واضحة البرهان، أنهم يصدون ويعرضون عن ذلك، ويقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم خير مقامًا وأحسن نديًّا، أي: أحسن منازل، وأرفع دورًا، وأحسن نديًّا، الندي هو المجلس الذي يجتمع فيه أو مجتمع الرجال للحديث، أي: ناديهم أعمر، وأكثر واردًا، وطارقًا، حينئذٍ نظروا إلى ماذا؟ القوة، وإلى المال، وإلى الجاه، بأنهم أصحاب أندية مطروقة، وبأنهم أصحاب أموال، وبأنهم أصحاب منازل رفيعة، إذًا رجعوا إلى الميزان السابق الفاسد، يعنون فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل؟ كيف نكون نحن بهذه المثابة أحسن {خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} ونكون على ذلك على باطل، وأولئك الذين مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق كيف؟ هؤلاء مستترون بما هم عليه بما يظنون أنه دين ونحن أصحاب المنازل الرفيعة والأندية المطروقة نكون على باطل؟ إذًا هذا ميزان فاسد، ولهذا رد الله تعالى عليهم شبهتهم فقال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ} . أي: وكم من أمة وقرن من المكذبين قد أهلكناهم بكفرهم، {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} ، أي: كانوا أحسن من هؤلاء أموالًا وأمتعةً ومناظر وأشكالًا.

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: {خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} . قال: المقام المنزل، والندي المجلس، والأثاث المتاع، والرِّئْي المنظر.

ومن هذا قوله تعالى حكاية عن قريش أنهم قالوا: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] . يعني: محمد ليس بذاك الشرف الذي يرفع بإنزال القرآن من السماء، {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} ، قال ابن عباس: يعنون أشرف من محمد - صلى الله عليه وسلم - فلا يعتقدون أنه أشرف من غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت