قال ابن كثير: أي ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير لو كان ما صاروا إليه خيرًا ويدعنا، لما تركنا الله عز وجل ولم نتبع محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، وإنما اتبعه الموالي والعبيد والضعفاء وكبار الرجال العجائز ونحوهم، قالوا: إذًا هو على باطل إذ لو كان خيرًا لو كان خيرا ما تركنا الله عز وجل ونحن الأشراف وثم يتبعه هؤلاء الضعفاء العجزة. وهذا يدل على خفة عقولهم وسفه ما هم عليه، قال ابن كثير: قوله: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} . وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال قوم نوح لنوح: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} [هود: 27] . ... الآية، وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان حين سأله عن تلك المسائل فقال له: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ يعني: هذا ميزان في معرفة الحق نعم لكن ليس على ما أراده الجاهليون، يعني: سنة الأنبياء أن يتبعهم أول ما يتبعهم هم الضعفاء، فدل ذلك على أن دعوتهم حق ليس على ما صار عليه أهل الجاهلية، ولذلك أعقل منهم هرقل فقال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم. فقال: هم أتباع الرسل. إذًا أتباع الرسل هم الضعفاء، فدل ذلك على أنهم على حق وليس كما ادعى الجاهلية بأن الضعفاء دليل على بطلان الرسالة، نقول: العكس أتباع الرسل والسنة الكونية التي جعلها الله عز وجل ملازمة لدعوته التي أرسل بها الرسل إنما هي في إتباع الضعفاء دون غيرهم، وإنما يتبعه من كان دون الضعفاء، يعني: غيرهم بعد أن يتبع الضعفاء، وليس المراد أن الأقوياء لا يسلمون، لا ليس المراد هذا، وإنما المراد أن أول من يستجيب هم الضعفاء، وأما الأقوياء فهذا إن سَلَّمُوا بذلك فيكون على جهة التأخير، فقال: بل ضعفاؤهم. فقال: هم أتباع الرسل. والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفاءهم ويعذبون من يقدرون عليه منهم وكانوا يقولون: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} أي: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير لو كان ما صاروا إليه خيرًا ويدعنا، كقولهم: {لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11] . فرد الله عليهم بقوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 53] أي: أليس هو الله عز وجل أعلم بالشاكرين له؟ بأقوالهم، وأفعالهم، وضمائرهم، حينئذٍ يحصل التوفيق فيوفقهم ويهديهم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم .. إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
( {أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} ) ، يعني: بأعلم بمن هو أهل لأن يكون محلًا للهداية، فالله أعلم بذلك.