فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 397

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية السابقة: والمقصود من هذا النداء الذي أراده الله عز وجل مخاطبة المؤمنين ( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ} ) من علماء اليهود، ( {وَالرُّهْبَانِ} ) من عباد كثير وليس بقليل، ( {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} ) ، إذًا أكل أموال الناس حرام وهو كبيرة من الكبائر في كل ملة من الملل، يعني: ما جاء نبي إلا وحرم أكل أموال الناس بالباطل، وهؤلاء علماء ويأكلون أموال الناس بالباطل، إذًا هم فسقة، ( {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ} ) هذه كبيرة أخرى، حينئذٍ يكون فاسقًا، فالذي يصد عن الحق قد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب حينئذٍ يكون فاسقًا، فقد جمعوا بين مزيتين وصفتين أخذنا منهما أن هؤلاء الأحبار والرهبان إنما هم فسقه وقد اقتدى بهم من اقتدى وحينئذٍ يكون مقتديًا بأولئك.

قال ابن كثير: المقصود التحذير من علماء السوء. وهذا مما ينتبه له وإن كانت النفوس قد لا تقوى على أن تصف عالمًا بأنه عالم سوء، أو بأنه فاسق، لأنه قد يقع في نفسه أنه قد أوتي علمًا، فيستدل بالعلم على الحق، لا ليس كل من أوتي علمًا وحفظًا وفهمًا وإن حفظ ما حفظ، أو وصل إلى المنازل ما وصل لا يلزم من ذلك أن يكون مطيعًا لربه، لا يلزم من ذلك أن لا ينفى عنه وصف الضلال، أو وصف البدعة، أو وصف الفسق، بل قد يكون عالمًا مبتدعًا، وقد يكون عالمًا ضالًا، بل قد يكون عالمًا ويرتد عن الإسلام، والعياذ بالله، لماذا؟ لأنه قد ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام ومجرد التزكية بإيتاء العلم بالنظر إلى العلم والمحفوظ وما تلقاه عن أهل العلم نقول: هذا الحكم فيه شبه من الجاهليين، لأن الذي يقف مع العلم والحفظ والفهم دون نظر إلى النتيجة هو على طريقة أهل الجاهلية فانتبه إلى هذا، حينئذٍ يقوى في نفسك أنه لا مانع أن يوصف عالم بأنه عالم سوء، أو يوصف داعية بأنه داعية ضلالة، أو أنه فاسق، أو أنه مبتدع، لماذا؟ لأنه لا يلزم من ثبوت العلم نفي ذلك الوصف الذي ذكرناه.

قال ابن كثير: والمقصود التحذير من علماء السوء وعباد الضلال، كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا - يعني: من علماء الإسلام، وهذا في عهد سفيان كيف به في زماننا هذا؟ الذي يبيع الفتاوى بيعًا من أجل ماذا؟ من أجل الأموال - من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى. إذًا قد يكون عالمًا من علماء هذه الأمة يؤتى علمًا ولا ينظر إلى عمله، لأن النظر هنا يكون إلى العلم، ومع ذلك فهو فاسد، ومع ذلك فهو مرتكب لناقض من نواقض الإسلام، ومع ذلك فهو مبتدع، ولذلك نحو قول الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية، والأباضية، وقل في الرافضة، وقل ما شئت من الطوائف والفرق، هؤلاء لهم علماء أم لا؟ لهم علماء، لكن منهم الكفار، ومنهم المبتدعون، ومنهم من دون ذلك، ومع ذلك حكمنا عليهم بكونهم علماء، من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى، فاحذروا يا طلاب العلم، وفي الحديث الصحيح: «لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» . قالوا اليهود والنصارى؟ قال: «فمن» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت