فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 397

وقال ابن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {غُلْفٌ} . قال: نقول قلبي في غِلاف فلا يخلص إليه مما تقول شيء. وقرأ قوله تعالى: ... {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} . وهذا الذي رجحه ابن جرير رحمه الله تعالى، واستشهد بما روي عن حذيفة أنه قال: القلوب أربعة. يعني: أربعة أنواع، فذكر منها: وقلب أَغْلَف مغضوب عليه وذاك قلب الكافر. إذًا المعاني كلها تصب في معنى واحد، وهي: أنها لا تفهم {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} يعني: لا تفهم، حينئذٍ جعلوا هذه حجة في عدم قبول ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهم قد احتجوا على عدم قبول ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن قلوبهم لا تفقه ولا تعي فلا تقوم عليهم الحجة، هذه النتيجة التي أرادوا ترتيبها على هذا العذر السقيم، وهي: أنهم لا يفهمون، وإذا كانوا لا يفهمون حينئذٍ لا تقوم عليهم الحجة، حينئذٍ لا يكون معارضين للرسل، وإذا لم يكونوا معارضين للرسل حينئذٍ لا يستحقون عقوبةً البتة لا في الدنيا ولا في الآخرة، فلا تقوم عليهم الحجة إذ لو أراد الله تعالى منهم القبول لفتح قلوبهم لقبول الحق، وهذا أشبه ما يكون بالاحتجاج بالقدر، فأكذبهم الله تعالى في دعواهم عدم الفهم فقال تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} . وقال سبحانه: {بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] . أي: ليس الأمر كذلك كما ادعوا، بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها فهم السبب في عدم فهمهم، يعني: الاحتجاج بعدم الفهم احتجاج صحيح، لكن هذا عدم الفهم ليس من الله عز وجل ابتداءً بأن لم يجعل قلوبهم قابلة للفهم، وإنما عدم الفهم سببه الكفر، حينئذٍ كفروا بالله اختيارًا، وهذا منسوب إليهم فترتب على كفرهم الطبع واللعن على قلوبهم، فهم السبب في عدم فهمهم لما أنزل الله تعالى، وذلك بكفرهم، أي: بسبب كفرهم، فالباء في قوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} . أي: بسبب كفرهم، حينئذٍ الطبع إنما كان بسبب الكفر وترتب على الكفر عدم الفهم، أي: بسبب كفرهم وهم قد اختاروا الكفر على الإيمان فعاقبهم الله تعالى باللعن والطبع وإلا فالقلوب بأصل خلقتها قابلة للفهم وإلا الله تعالى ما أرسل الرسل إلا من أجل أن الناس قابلون للاستجابة للرسل، فلو كانوا بذاتهم لا يقبلون لما صحت الحجة في إرسال الرسل البتة، وكذلك استدل المصنف بقوله تعالى: ( {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ} ) . ( {مَا نَفْقَهُ} ) أي ما نفهم، إذ الفقه في اللغة هو الفهم ( {مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ} ) لما أمرهم شعيب عليه السلام بالتوحيد قال: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت