فأهل الجاهلية يعتقدون فيما يفعله السحرة وأمثالهم من الكهان والعرافين والشياطين من خرق العادات أن ذلك يدل على صلاح فاعلها وصدقه، عكسًا للذي مضى، أرادوا أن يطعنوا في الأنبياء بماذا؟ بما وقع فيه الأتباع من المخالفات، وهنا أرادوا أن يزكوا السحرة والكهان بما قد يقع على أيديهم من خوارق العادات عكس المسألة السابقة، من خرق العادات أن ذلك يدل على صلاح فاعلها وصدقه إذ هذا الخرق للعادة إنما هو كرامة هذا قياس ولا تكون الكرامة إلا للصالحين، إذًا ما يقع على أيدي السحرة كرامة، والكرامة لا تقع إلا للصالحين، إذًا هؤلاء صالحون، قياس فاسد، هذا مما سبق القياس الذي ينتهجه هؤلاء المشركون، إذًا فهم صالحون صادقون، بل وينسبون تلك المخاريق إلى الأنبياء كذبًا وزورًا، والكرامة في حقيقتها أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة، يعني: الأمر الخارق للعادة على وجهين: إما أن يدعي من جرت على يده النبوة حينئذٍ تكون آية وإن شئت سمها معجزة، وإن لم يكن مدعٍ للنبوة فحينئذٍ ينظر في حاله إن كان صالحًا تقيًّا مطيعًا لربه ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - فهي كرامة وإلا فهي كهانة وشعوذة، واضح هذا؟ أمر خارق للعادة إن اقترن بدعوى النبوة فهي آية ومعجزة يقوى بها النبي لصحة دعواه، وإن لم يكن معه اقتران دعوى النبوة ينظر في حال الشخص التي أو الذي جرى على يديه ذلك الأمر الخارق إن كان صالحًا تقيًّا مؤمنًا صارت كرامة وإلا فهي أحوال شيطانية كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، إذًا الكرامة أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح ملتزم المتابعة لنبي كلف بشريعته مصحوبًا بصحة الاعتقاد والعمل الصالح، لا كرامة إلا مع موافقة الاعتقاد والقول والعمل لما جاءت به الرسل، سواء كانت الكرامة على أيدي أتباع موسى، أو أتباع عيسى، أو أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - لا بد من الموافقة للمتبوع قولًا وعملًا واعتقادًا، وهذا الأمر الخارق لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، ويكون آية ومعجزة إذا جرى على يد نبي، مثل ماذا؟ قلب العصا حية لموسى عليه السلام، وكذلك إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله على يد عيسى عليه السلام، هذا خرق للعادة ووقع على يد نبي، حينئذٍ صار معجزة وآية، وما جرى على يد محمد - صلى الله عليه وسلم - من الآيات المعجزات التي أعظمها القرآن العظيم القرآن الكريم الذي أعجز به البشرية جمعاء، وأعجز الجن كذلك على أن يأتوا بمثله، وأما إجراؤه على يد من لا يدعي النبوة مع تقواه وصلاحه فهي كرامة، بهذا القيد مع تقواه وصلاحه فهي كرامة إما لحجة في الدين، يعني: أراد الله عز وجل أن يقوي قول هذا الشخص ودعوته، وإما لحاجة المسلمين كمريم عليها السلام حيث كانت ترزق وهي في محرابها {أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ} [آل عمران: 37] ، ونوم أصحاب الكهف المدد الطويلة مع بقايا أجسامهم حيث لم تتبدل ولم تتغير هذا يعتبر من الكرامات، أما ما يجري مما يشبه خوارق العادات، بل قد يكون خوارق العادات على أيدي أهل الكفر والفسوق من السحرة والمشعوذين والكهنة فإنها من فعل الشياطين، أحوال شيطانية فهي من الشعوذة ومن