(الثالثة والعشرون: أن الحياة الدنيا غرتهم فظنوا أن عطاء الله منها يدل على رضاه) يعني: على المعطي، (كقولهم: {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 35] ) . ظن أهل الجاهلية أن إعطاءهم الأموال والأولاد أنه يدل على رضا الله تعالى عنهم لأنه لو لم يرضَ ما أعطاهم، إذًا هذه النعم الدنيوية الظاهرة البحتة دليل على رضا الله عز وجل عنهم، فلو لم يرضَ عنهم لما أعطاهم، هذا الذي ظنوه، ظن أهل الجاهلية أن إعطاءهم الأولاد والأموال يدل على رضا الله تعالى عنهم، وأن الله تعالى ما أعطاهم إلا لأنه أحبهم ولا يعذبهم، وهذا ظن سوء برب العالمين، فليست كثرة الأولاد ولا الأموال دليلًا على رضا الله تعالى عن العبد وليست دليلًا على محبته له، لأنه كما سبق {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي} حينئذٍ المحبة ورضا الله تعالى إنما يكون مرتبطًا بالإتباع للحق، فمتى ما وجد الإتباع حينئذٍ أحبه الله ورضي عنه، جاء في الحديث - وإن كان فيه ضعف إلا أن معناه صحيح «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب» . ولذلك الكفار والمشركون تجدهم في أعلى ما يمكن أن يكون من النعيم الدنيوي، لأن الدنيا ليست مناطًا لدخول الجنة وعدمه، وإنما النظر هو في صلاحه وتقواه وقبوله للدين، «إن الله يعطي الدنيا من يحب» . يعني: من المؤمنين، «ومن لا يحب» . يعني: من الكفار أو الفسقه، وأما الدين فلا يعطيه إلا من يحب، إذا أحبه الله عز وجل حينئذٍ وفقه، «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» . وفي حديث آخر: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء» . فقد استدل المصنف على هذه المسألة بقوله تعالى: ( {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} ) . فاستبعد الكفار أن يعذبهم الله جل في علاه مستدلين على ذلك بكثرة ما أعطاهم من الأموال والأولاد في هذه الحياة الدنيا، ( {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} ) هذه نتيجة، نتيجة لأي شيء؟ لما قرروه أولًا ( {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا} ) فالله يحبنا وإذا كان الله تعالى يحبنا لأنه ما أعطانا إلا لمحبته لنا، إذًا ما نحن بمعذبين، وإذا لم نكن بمعذبين حينئذٍ نحن موافقون للشرع، ومثله قوله تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55، 56] . فحينئذٍ الأولاد والأموال والعطاء الدنيوي هذا لا يدل على محبة الله تعالى للعبد البتة، يعني: بالنظر إليه فقط، وأما بالنظر إلى صاحبه فقد يكون كذلك، وهذه الآية نزلت في كفار قريش فهذه حجة عامة لكل من سبق من الأمم حتى الكتابيين قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} .