النوع الثاني: تحريف المعنى، يعني: يبقى اللفظ على ما هو عليه تبقى التراكيب ويأتي إلى المعنى تفسره بغير المعنى الذي أراده الله عز وجل، هذا يسمى ماذا؟ يسمى تحريفًا من جهة المعنى، لأنه حمل اللفظ على غير مراد المتكلم، ومعلوم أن التفسير قد يكون باللفظ بمفردة، وقد يكون تركيبًا بتركيب، والثاني هو الأصل، لأن تفسير القرآن ليس تفسير مفردات القرآن ليس مفردات وإنما هو مركبات، يعني: جمل اسمية وجمل فعلية وهو كلام الله تعالى، حينئذٍ له ماذا؟ له مرادٌ هذا المراد إنما يعرف من جهة السياق بأول الكلام وآخره، ومن هنا نفى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى المجاز في القرآن قال بأن الله تعالى أو غيره ممن يتكلم بالكلام العربي الفصيح إنما يُحمل كلامه على ما أراده من التركيب، فدلالة اللفظ في أول الكلام وآخره وأوسطه هي التي تدل على مراده، وليس عندنا مجاز، على كلٍّ تحريف المعنى هو تفسيره بغير المعنى الذي أراده المتكلم، فيحمله على معنًى بعيد، أو معنًى باطل، أو معنًى فاسد، كما قال أهل البدع في تحريف الصفات {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] اليد معلومة أنها اليد التي تكون مقابلة للجارحة في الإنسان، والله عز وجل موصوف بهذه الصفة وله يدان حقيقتان لا تشبه صفة المخلوق، حرفها المحرفون بأن اليدين المراد بهما القوتان أو النعمتان، وهذا تحريف، حَمْلُ اللفظ على معنًى وإن كان اليد في لسان العرب قد تطلق بمعنى القوة، وقد تطلق اليد كذلك بمعنى النعمة، لكن في هذا المقام نقول: لا يمكن حمل اللفظ على النعمة، أو حمله على ماذا؟ على القوة، لأن التَّثْنِيَة هنا تمنع، الله عز وجل ليست له قوة واحدة وليست له نعمة واحدة، بل هي نِعَم والقوة كذلك أفراد ولها جنس فقوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} . يمتنع أن يقال: بل نعمتاه، أو بل قوتاه. كذلك قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] . {اسْتَوَى} في لغة العرب إذا تعدى بعلى يحمل على العلو، يعني: علا جل وعلا على العرش، فنثبت له صفة العلو على العرش والله عز وجل يوصف بصفة العلو من جهتين: العلو المطلق على الخلق كله والسماوات السبع، وعلو خاص وهو علوه جل وعلا على العرش. المحرفون للبدع لم يرضَوْا بهذا اللفظ ... {اسْتَوَى} قالوا: بل يفسر بـ استولى فزادوا لامًا كما زاد بنو إسرائيل نونًا هناك حنطة {حِطَّةٌ} ، وهنا {اسْتَوَى} زادوا لامًا قالوا: استولى. وهذا باطل وتفسير للفظ بغير مراد وهو محل إجماع عند السلف أن هذا المعنى باطل ولا يمكن القول به، ولذلك ذهب بعضهم إلى أن من قال بهذا القول فهو كافر مرتد عن الإسلام، لأن العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى، وفرق بين اللفظين، وما استدلوا به لا يمنع من إنزال حكم شرعي عليه، لماذا؟ لأن الشبهة إنما يصح اعتبارها إذا كان ثَمَّ دليل يمكن حمل اللفظ عليه، بمعنى أن هذا اللفظ جاء في لسان العرب بعدة معاني، يُستعمل في لسان العرب مثل اليد يأتي بمعنى القوة، ويأتي بمعنى النعمة، ويأتي بمعنى اليد الجارحة في حق الإنسان، فإذا جاء لفظٌ فيه لفظ اليد يد هكذا واحدة وحمله على النعمة نقول: وقعت له شبهة.