لماذا؟ لأن اللفظ له معاني في لسان العرب، هذه الشبهة تمنع من تكفيره، لأن مَن أنكر صفة واحدة لله عز وجل ثبتت في الكتاب والسنة واعلم أن جميع الصفات الثابتة في الكتاب والسنة مجمع عليها لا خلاف فيها بين السلف ويثبتون الصفة، وقد يقع بعض النزاع في بعض مدلول تلك الصفة وهي محصورة كالنفس مثلًا اختلفوا في المراد بالنفس مع إثبات لفظ النفس، حينئذٍ إن وجدت شبهة للمتأول قد تكون هذه الشبهة مانعة من تكفيره، وأما إذا لم تكن ثَمَّ شبهة حينئذٍ الأصل يعتبر مكذبًا للكتاب والسنة، فإذا قال الله عز وجل في سبع مواضع من القرآن: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . هو قال: لا، بل استولى. هذا كفر، ولكن كثير من السلف لا يكفرون مثل هذا النوع، وإن كان القواعد تقتضي أنه كافر مرتد عن الإسلام لأنه مكذب للكتاب والسنة، وكذلك صفة العلو هذه ثابتة بأكثر من ألف دليل كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى ثابتة بدلالة العقل، وبدلالة الحس، وبدلالة الفطرة، وبدلالة الشرع، فجميع الدلالات التي يمكن أن تثبت بها الأحكام سواء كانت أحكام دنيوية أو شرعية أثبتت صفة العلو، ولذلك ضرورة فطرية أن الإنسان يتجه إلى خالقه في العلو، فإذا أنكر العلو حينئذٍ كذَّب دلالة الشرع، وكذَّب دلالة الفطرة، وكذَّب دلالة العقل، وكذَّب دلالة الحس، ولذلك من أنكر العلو وقال بأن الله تعالى في كل مكان فهو كافر مرتد عن الإسلام.
إذًا التحريف نوعان: تحريف لفظي، وتحريف معنوي. قال المصنف: (تحريف) . يعني: بالزيادة، أو النقصان، أو تبديل الحركة ونحوها، أو من جهة المعنى، (تحريف كتاب الله) ، أيُّ كتاب؟ المراد به الجنس، يعني: التوراة، الإنجيل، القرآن، وقع تحريف في القرآن وإن كان من جهة اللفظ هو محفوظ مع وجود المحاولات، لكنه حصل شيء من ذلك فحفظه الله عز وجل وتكفل الله تعالى بحفظه، وأما من جهة المعنى فهو واضح بَيِّن كما ذكرنا من الأمثلة السابقة أن أنواع التحريف تلك استولى وغيرها واليدان إنما وقعت فيها طوائف من هذه الأمم، يعني أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - المنتسبة إلى الإسلام، (تحريف كتاب الله) ، أي: جنس كتاب الله تعالى ويدخل فيه القرآن، ... (من بعد ما عقلوه) ، العقل له استعمالان:
الأول: القوة المتهيئة لقبول العلم، يعني: كون الإنسان قابلًا لأن يتعلم، وهذه مَيْزَةٌ بين بني آدم وبين البهائم، البهائم هذه غير قابلة للتعلم، وأما الإنسان فهو قابل للتعلم، كالكتابة الإنسان قابل للكتابة، يعني: يولد ولا يكتب لكنه لو وصل إلى عُمر معين وعُلم الكتابة عنده قابلية أو لا؟ عنده قابلية، لماذا؟ لأن من صفات بني الإنسان أنه يقبل الكتابة التعلم، كذلك العلم، والحفظ، والفهم، هذه من صفات بني آدم، إذًا العقل يطلق ويراد به تلك القوة التي تهيئ الإنسان لإدراك العلوم والآراء واكتسابها.
الثاني: يطلق العقل ويراد به العلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة.