فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 397

إذًا عندنا قوة وعندنا ما يترتب على هذه القوة، كل منهما يطلق عليه أنه عقل، والثاني الذي هو العلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة هو المراد بقوله تعالى: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] . وفي المفردات كل موضع ذم الله فيه الكفار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني دون الأول، لأنه كونه قابلًا للعلم هذا لا يتميز به الإنسان عن غيره، هذا ليس التميُّز بين الإنسان والبهيمة لا المراد الإنسان والإنسان، كون هذا جاهلًا وهو قابل للعلم، وكون هذا استفاد من هذه القوة فترتب عليها العلم، إذًا يختلف عن سابقه، اشتركا في ماذا؟ كل منهما قابل للعلم، أليس كذلك؟ الجاهل الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب ولا يتعلم هذا قابل للعلم فعنده قوة، لكن هل ترتب أثر على هذه القوة فَوُجِدَ العلم؟ الجواب: لا، حينئذٍ هو متهيئ، مَن أوجد العلم وترتب العلم على هذه القوة حينئذٍ نقول: هذه أثمرت، وهذه تفرق بين الجاهل وغيره، ولذلك قال: كل موضع ذم الله فيه الكفار بعدم العقل {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ، {أَفَلَا يَعْقِلُونَ} [يس: 68] كثير هذا في القرآن فإشارة إلى الثاني دون الأول، يعني: عندكم عقل، وأثمر هذا العقل بدلالة العقل وكذلك بدلالة الشرع بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - أن الله عز وجل واحد في ذاته وواحد في أسمائه وصفاته وأفعاله وكذلك هو واحد في كونه معبودًا، ولذلك مضى معنا أن التوحيد بأنواعه الثلاث يدل عليها دلالة الشرع والعقل، فالعقل يدل على أن الله واحد جل وعلا وأنه هو المستحِق للعبادة دون ما سواه، والعقل يدل على قبح الشرك وكذلك الشرع فاجتمع فيه الدلالتان: دلالة الشرع، ودلالة العقل. ولكن الذي يترتب عليه المؤاخذة هو دلالة الشرع، بمعنى أن العقل وحده لا يكفي في دخول الجنة أو في الخلود في النار، وإنما لا بد من ضميمة الشرع، (من بعد ما عقلوه) ، أي: فهموه ووعوه، (وهم يعلمون) ، إذًا أشار إلى أن المراد بالعقل هو الثاني العلم الذي يستفاد بهذه القوة وليست القوة بعينها، لأن العلم هنا حاصل عندهم يعلمون صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك كتموا أوصافه التي جاءت في التوراة والإنجيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت