فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 397

والحاصل: أشار المصنف رحمه الله تعالى بهذه المسألة إلى أن أهل الكتاب، فالمسألة خاصة بأهل الكتاب، حرفوا كتاب الله تعالى بنوعي التحريف وهما: اللفظي، والمعنوي. فوقع التحريف عند أهل الكتاب حرفوا التوراة والإنجيل سواء كان التحريف لفظيًّا بأن بدلوا لفظًا بلفظ أو زادوا أحرفًا، أو نقصوا أحرفًا، أو غيروا شيئًا مما يتعلق باللفظ وكذلك من جهة المعنى، حرفوا كتاب الله تعالى بنوعي التحريف اللفظي والمعنوي لعموم الإطلاق، إطلاق النصوص التي جاءت في ذمهم لأجل ذلك لأن بعض المفسرين حملوا قوله تعالى: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} . المراد به التحريف المعنوي دون اللفظي، وهذا ليس بصحيح لأن النص مطلق معلوم من دلالة الفعل أنه مطلق، يعني: يحتمل النوعين، وإذا احتمل النوعين ولم يأتِ تقييد في الشرع حينئذٍ حمل على النوعين، والقاعدة أن العام يبقى على عمومه حتى يَرِدُ المخصِّص، والمطلق يبقى على إطلاقه حتى يرد المقيد، حينئذٍ {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 41] {يُحَرِّفُونَ} أطلق، ومعلوم أن التحريف في لسان العرب وفي العرف قد يكون متعلقًا باللفظ، وقد يكون متعلقًا بالمعنى، حينئذٍ على أيّ النوعين نحمل هذا اللفظ {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} ؟ نقول: يحتمل النوعين، ولا نخصه بواحد منهما إلا بدليل وليس عندنا دليل، إذًا أهل الكتاب وقعوا في التحريف بنوعيه: اللفظي، والمعنوي. ما الدليل على هذا؟ إطلاق النصوص، ما وجه إطلاقها؟ الفعل يعتبر عند الأصوليين من قبيل المطلق {يُحَرِّفُونَ} ، إذًا الفعل يعتبر عند الأصوليين من قبيل المطلق، فإذا كان كذلك بقي على إطلاقه فلا يقيد إلا بدليل شرعي ولا دليل، وهذا التحريف لم يكن عن جهل منهم، ولذلك قال المصنف: (من بعد ما عقلوه) . يعني: فهموا الكتاب ووعَوْا الكتاب، (وهم يعلمون) أنهم محرفون ويعلمون أنهم مبدلون ومغيرون، وهذا شأن أهل الباطل في كل زمان ومكان، حينئذٍ لم يكن هذا التحريف عن جهل بل كان عن علم وقصد وعقل وإدراك لما يفعلون، ولذا قال المصنف: (وهم يعلمون) . قال الله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75] ... {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} قال بعضهم: مباشرة. لا يدل اللفظ على أنه مباشرة إلا إذا كان في شأن بعض قوم موسى في قصة طويلة، لكن اللفظ يحتمل مباشرة ويحتمل أن يكون بلاغًا، لأن الذي يسمع عن نبي ما يصح أن يقال بأنه سمع كلام الله، دليله قوله جل وعلا: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] . مباشرة من الله؟ لا قطعًا، وإنما يسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذًا {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} لا يلزم أن يكون مباشرة، {ثُمَّ} هذا محل الشاهد إذا سمعوه وبلغهم كلام الله تعالى {يُحَرِّفُونَهُ} يبدلونه من جهة اللفظ ومن جهة المعنى، {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} من بعد ما فهموه ووعوه، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ما دلت عليه الألفاظ ويعلمون أنهم مبدلون ومحرفون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت