قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير الآية: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} ، أي: يتأولونه على غير تأويله. هذا كأنه قصره على أحد [نوعي التأويل] نوعي التحريف وهو أن يكون تحريفًا معنويًّا، والعبارة أوسع من ذلك، {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} ، أي: فهموه على الجلية، يعني: واضح بين، ومع هذا يخالفونه على بصيرة، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم مخطئون في ما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله، إذًا (وهم يعلمون) ماذا؟ يعلمون أنهم مخطئون في ذلك التحريف.
قال السدي: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} . قال: هي التوراة حرفوها. واختاره ابن جرير بظاهر السياق، يعني: حمل النص هنا على التوراة قوم موسى.
وقال مجاهد: هم اليهود كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ووعوه. وقال مجاهد كذلك: الذين يحرفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم. يعني: التحريف ليس من مطلق الناس العامة، لماذا؟ لأن الذي يقبل قوله وينظر في علوه وما يصدر منه إنما هم علماء، حينئذٍ يحصل التحريف سواء كان من جهة اللفظ أو من جهة المعنى من العلماء، فهم الذين يبتدئون القول ثم بعد ذلك يسير وراءهم كل ناعق وزاعق.
وقال أبو العالية: عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - وحرفوه عن مواضعه وهذه صورة من صور التحريف ليس مطلقًا. يعني: لم يكن التحريف خاصًا بما جاء في صفة محمد - صلى الله عليه وسلم -، بل حرفوا كما سيأتي في آية الرجم أنهم كتموها من جهة المعنى، عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابه من نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - وحرفوه عن مواضعه، قلنا: هذه صورة من صور التحريف، وليس هو كل التحريف.