فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 397

وقال ابن زيد: التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرفونها يجعلون الحلال فيها حرامًا، والحرام فيها حلالًا. هذا تحريف لفظي أو معنوي؟ تحريف معنوي لأنهم يحملون النصوص الدالة على التحريف بأنها مصروفة مثلًا، أو النصوص الدالة على الإباحة لأنها مصروفة، وهذا من جهة المعنى، كمن يحلل الربا بحجة أنه ليس هذه المسألة فيها ربا ونحو ذلك، والحق فيها باطلًا، والباطل فيها حقًّا إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب فهو فيه محق، إذًا يقبلون الرشوة إما في تحليل ما حرم الله أو العكس كما تباع الفتاوى الآن - وإذا جاءهم أحد يسألهم شيئًا ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق فقال الله لهم: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44] . إذًا إحقاق الحق وإبطال الباطل عندهم فيه نظران: إن جاءت الرشوة أعطوا من طلب ما يريده، وإن لم يكن ثم رشوة حينئذٍ قالوا الحق يجب أن يقال به، ويجب أن يصدع به فحينئذٍ من لم يكن صاحب مال ألزموه بالحق، ومن ذلك قوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46] . وقوله: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 41] . والتحريف كما ذكرنا في هذه الآيات مطلق فيعم النوعين، وقد تأتي بعض النصوص ويحمل على أحد النوعين إما لقرينة في النص وإما لنص خارجٍ كأن يفسر من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذًا التحريف إذا أطلق انصرف إلى التحريف بنوعيه: اللفظي، والمعنوي. وقد يحمل على أحد النوعين لقرينة، ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: 58، 59] . قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول. يعني: جملة ما ذكره المفسرون هذا قال بأنه قيل لهم: ادخلوا ساجدين. وهؤلاء يقولون: ادخلوا راكعين. قولوا: لا إله إلا الله مستغفرين .. إلى آخره، قال: المراد هو جنس ما ذكر. وهو أن يدخلوا خاضعين، والخضوع هذا يكون بالقول ويكون بالفعل، فجمع بين الأقوال، أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها والشكر على النعمة عندها، والمبادرة إلى ذلك من المحبوب عند الله تعالى، {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} ، إذًا {وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} ، {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال هذا تفسير للآية: «قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة. فدخلوا يزحفون على أستاهم فبدلوا وقالوا: حبة في شعيرة.» . على أستاهم «حبة في شعيرة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت