فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 397

(الرابعة والثلاثون: أن كل فرقة تدعي أنها الناجية) ، الله أكبر، اليهود يدَّعون أنهم الناجون في الدنيا والآخرة، كذلك النصارى، وكذلك كل حزب ولو كان منتميًا إلى الإسلام ادَّعى أنه هو الفرقة الناجية والطائفة المنصورة .. إلى آخره، (فأكذبهم الله بقوله: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] ) ، يعني: ليس لمجرد دعوى فحسب، (ثم بين الصواب بقوله: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [البقرة: 112] ) .

من خصال أهل الجاهلية أن كل فرقة منهم تدَّعي أنها الناجية في الآخرة، كما أنها ناجية في الدنيا، لأنها هي التي على الحق، وأن غيرها من الفرق على الباطل، مع أنها معرضة عن الحق المنزل من عند الله تعالى، وكان هذا في أهل الكتاب كما حكى الله عنهم: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} . حصروا الجنة في اليهود والنصارى، وحرموا الجنة على من عدا اليهود والنصارى، بَيَّن الله تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، ولذلك قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] . دعوى كذب، فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، إذ أنتم أبناء الله تعالى وأحبابه، إذًا لم يعذبكم؟ الله عز وجل لا يعذب أحبابه، وأيضًا ادعوا أنه لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، ثم ينتقلون إلى الجنة، ورد الله تعالى عليهم في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها هنا بلا دليل ولا حجة ولا بينة فقال: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} . قال أبو العالية: أماني تمنوها على الله بغير حق فأكذبهم الله بقوله: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . أي: هاتوا حجتكم، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ، أي: فيما تدعونه، (ثم بين الصواب بقوله: {بَلَى} ) ، هذا انتقال وإضراب عما سبق ( {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} ) ، أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، يعني: ليست القضية في دخول الجنة أو النار كونك يهوديًّا أو نصرانيًّا، بل من أخلص لله تعالى بقلبه وعمل بما اقتضته الشريعة منه، يعني: وجد فيه شرطَا القبول، أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له وهو محسن، أي: اتبع فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإن للعمل الْمُتَقَبَّلِ شرطين:

الأول: أن يكون خالصًا لله وحده.

الثاني: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة.

هذا هو الميزان الذي يعتبر في دخول الجنة لمن أتى بهما ودخول النار لمن فرط فيهما أو في أحدهما، فمن كان خالصًا فمتى كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يتقبل، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» . أي: مردود على صاحبه، ومتى كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يخلص عامله القصد لله تعالى فهو أيضًا مردود على فاعله، وهذا حال المرائين والمنافقين.

والحاصل: أن النجاة في الدنيا والآخرة ليس في كونه يهوديًّا أو نصرانيًّا، بل من أخلص لله في العمل وكان عمله موافقًا للشريعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت