فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 397

فهذا هو الميزان الحق الذي يُعرف به أهل الحق من غيرهم، ومن الأدلة على هذه المسألة قوله تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [البقرة: 135] . إذًا الهداية محصورة على من كان أحد هذين النوعين أو الطائفتين، فحصر كل منهما الاهتداء والهداية في طائفته، ولازمه أن من لم يكن على هذه الطائفة حينئذٍ يكون ضالًا، لأن الأمر متردد بين أمرين: إما حق، وإما باطل. فإذا حصر الحق في اليهودية والنصرانية لزم منه أن من لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا فهو ضال، أليس كذلك؟ حينئذٍ دل بالمنطوق ودل بالمفهوم، ولازمه أن الضلال في غيره كما جاء في قوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} . فرد الله عليهم {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} ، {قُلْ بَلْ مِلَّةَ} أي: أتبع ملة، فملة هذا منصوب على أنه مفعول به لفعل محذوف، {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، فالحق والنجاة في الأولى والآخرة إنما هو في إتباع ملة إبراهيم، وهي: عبادة الله وحده بالإخلاص. وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - من هي الفرقة الناجية والطائفة المنصورة كما جاء في الحديث الصحيح: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» . هنا أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن أمته أمة الإجابة ستفترق إلى هذا العدد، وهذا إخبار عن غيب أليس كذلك؟ إذًا سَيقع سيقع، ومحاولة دفع هذه السنة الكونية يكون مصادمة للحق، يعني: أنه لا يمكن جمع الأمة على باطلها البتة، ما دام أنها مفترقة إلى ثلاث وسبعين فرقة وكل فرقة لها أصولها، سواء خرجت بهذه الأصول عن الملة أو بقيت في الملة لا يمكن أن تجتمع البتة، فمن أراد أن يجمع الأمة كما يدَّعي من يدَّعي فحينئذٍ يكون مصادمًا لهذا النص، ولذلك من يحمل راية الجمع وتوحيد الكلمة يرجع إلى هذا الحديث فَيُضَعِّفُهُ ويطعن فيه، والصحيح أن الحديث ثابت ولا غبار عليه، وبَيَّن - صلى الله عليه وسلم - الصفة التي تكون عليها هذه الواحدة الناجية فقال له الصحابة: من هي يا رسول الله؟ فقال: «من كان على مثل ما أنا عليه» . فقال: «من كان على مثل ما أنا اليوم عليه وأصحابي» . دل ذلك على أن الاقتداء والتأسي إنما يكون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبصحابته الكرام، وأن الفهم الصحيح للدين هو ما فهمه الصحابة وما لم يفهمه الصحابة فلا يُنسب إلى الدين البتة.

ثم قال: (الخامسة والثلاثون) . وما بعدها تعبد من أهل كتاب في بعض المسائل التي خالف فيها الشرع، ونقف على هذا والله أعلم.

وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أسئلة:

س: ما حكم لعن العلمانيين مع تحديد أشخاص معينين منهم؟

ج: هذا مبني على لعن الكافر، العلماني كافر. لعن الكافر يجوز أو لا يجوز مسألة خلافية بين أهل العلم، واللعن على جهة القلة لا بأس به، لكن لا يكون لعَّانًا لئلا يقع في مخالفة وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يكن لعَّانًا.

س: ما هو فقه الواقع؟ وهل هناك مراجع في هذا الفن؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت