فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 397

(التعبد) ، يعني: من خصال أهل الجاهلية، (التعبد) ، أي: تقربهم إلى الله تعالى، فالمراد بالتعبد القربة والطاعة والزلفى لله عز وجل، أي: تقربهم من الله تعالى بتحريم الحلال، والحلال ضد الحرام فيدخل فيه الواجب والمندوب والجائز، هذا على ما جاء في القرآن بخلاف الحلال عند الأصوليين فإنه مرادف للمباح والجائز، وهنا الحلال يطلق ويراد به الواجب، إذًا تحريم الواجب، كذلك الحلال يطلق ويراد به المندوب في شرع الله عز وجل، إذًا التعبد بتحريم المندوب، كذلك الحلال يطلق ويراد به المباح، حينئذٍ تعبدوا بتحريم المباح وليس المراد بالحلال المباح الذي هو المصطلح الأصولي وإنما المراد به التعبد بما جاء الشرع شرع من قبلنا بإيجابه، أو ندبه، أو كونه مباحًا، فكما أنهم تعبدوا بالشرك بالله بحجة القربى والزلفى كما سبق أنهم لا يفعلون الشرك إلا بنية التقرب إلى الله عز وجل كما مر معنا في قوله تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] . أي: قربى، وقولهم: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] . فالشرك الذي هو محرم وجاءت الأدلة بتحريمه يعتبر قربى وزلفى عند أهل الشرك، ولذلك حتى في عصرنا هذا من تجد من يشرك بالله عز وجل في الطواف حول القبور والذبح لها يعتقد أنه جائز ولا يعتقد أنه محرم، إذ لو اعتقد أنه محرم لما ارتكبه، خاصة إن كان مما ينسب إلى العلم، إذًا كما أنهم تعبدوا بالشرك بالله بحجة القربى والزلفى كما سبق وجعلوه دينًا لهم كذلك جعلوا تحليل الحرام وتحريم الحلال دينًا لهم منازعة لله تعالى في حكمه الشرعي، فالحلال عندهم ما أحلوه والحرام ما حرموه حسب أهوائهم وأرائهم وما كان عليه آباؤهم وأجدادهم، وهذا دليله في القرآن كثير جدًا حيث أباحوا قتل الأولاد وجعلوا من الأنعام ما لا يجوز أكله إلا بمشيئتهم وفرقوا بين الرجال والنساء في ذلك، وتبحير البحائر، وتسييب السوائب والوصائل كما هو مبسوط في سورتي المائدة والأنعام، فحرموا ما أباحه الله عز وجل، ولذلك رد الله تعالى عليهم ذلك بقوله: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} ... [المائدة: 103] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت