فهرس الكتاب

الصفحة 205 من 397

حينئذٍ كان ذلك من افتراء الكذب على الله عز وجل لأن من أحل ما حرم الله وحرم ما أباح الله فهو كاذب مفتر على الله تعالى الكذب، ومن ذلك إباحتهم اصطياد السمك يوم السبت وهو محرم عليهم واستباحتهم شحم الخنزير وبيعه وأكل ثمنه، حينئذٍ نقول: هذه كلها من المحرمات التي أباحوها، أو من جنس المباحات التي حرموها، فالنصارى حرموا على أنفسهم كثيرًا من الطيبات، واليهود أباحوا لأنفسهم كثيرًا من المحرمات فهم على طرفي نقيض، فاليهود أباحوا لأنفسهم الربا {وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} كما جاء النص في القرآن {وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} ... [النساء: 161] ، والمشركون كذلك أتباع اليهود والنصارى حرموا أنواعًا من بهيمة الأنعام كما سبق من البحيرة والسائبة والوصيلة، وهي أنواع من الأنعام سموها بأسماء لها معانيها الخاصة ويحرمونها للأصنام، وقد نهى الله المؤمنين عن ذلك، يعني: تحريم ما أحل الله، هو منهي عنه وعندنا في شريعتنا يعتبر من الافتراء على الله الكذب، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] . {لَا تُحَرِّمُوا} ، هذه لا ناهية، {تُحَرِّمُوا} حينئذٍ يكون منهيًّا عنه {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} ، وقال سبحانه: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116، 117] . وقال سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] . فدلت هذه النصوص على أن تحريم ما أباحه الله عز وجل والعكس كذلك إباحة ما حرمه الله عز وجل إنما يكون من القول على الله بلا علم لأن الحكم لله عز وجل وحده {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} يعني ما الحكم إلا لله سواء كان حكمًا شرعيًّا أو حكمًا قدريًّا، حينئذٍ صار محصورًا في الشرع، وجاء في حديث وسيأتي بحثه قوله - صلى الله عليه وسلم: «أليسوا» . يعني: النصارى. «يحرمون ما أحل الله وتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه» . فقال: بلى. قال: «تلك عبادتهم» . حينئذٍ صار عبادة لهم لأن هذا النوع يعتبر من الشرك في الطاعة، إذًا ... (المسألة الخامسة والثلاثون: التعبد بتحريم الحلال) أي تعبدوا بما لم يشرعه الله عز وجل وهو تحريم الحلال، حينئذٍ يكونوا قد تعبدوا وتقربوا إلى الله تعالى بمعصيته لا بطاعته، وكذلك تعبدوا بشرعٍ لم يأذن الله تعالى به كما أنهم تعبدوا بالشرك الأكبر.

(السادسة والثلاثون: التعبد بكشف العورات كقوله) تعالى مبينًا ذلك ( {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} ... [الأعراف: 28] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت