(التعبد) يعني: التقرب إلى الله تعالى، (بكشف العورات) ، والعورات معلومة جمع عورة، وهي السوءة، أي أنهم، يعني من خصال أهل الجاهلية يتقربون إلى الله تعالى بكشف العورات، فيجعلونه طاعة وقربة لله تعالى وذلك فيما نقل إلينا في الطواف وغيره، وهذا فعل الأميين من المشركين يُبْدُونَ عوراتهم أمام الناس دينًا يتقربون به إلى الله تعالى حال طوافهم بالبيت إذ كانت العرب آنذاك لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي هي عليهم بحجة أن هذه الثياب قد عصوا الله تعالى فيها فلا يتلبسون بطواف وعليهم ثياب نجسة، فجعلوا هذه النجاسة المعنوية نجاسة حسية مانعة لهم من صحة الطواف حينئذٍ تركوا هذه الثياب لأجل المعاصي، وكان لا يدخل أحدهم الحرم يريد الطواف حتى يخلع ثيابه تلك، فإن وجد أحدًا يعيره ثوبًا لبسه وإلا دخل وطاف بالبيت عريانًا لا فرق في ذلك بين النساء والرجال، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه كما سيأتي: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول: من يعيرني تِطْوَافًا. يعني: ما تطوف به من الثياب تجعله على فرجها وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله
أختم مثل القعب باد ظله ... كأن حُمَّى خيبر تمله
حينئذٍ استوى عندهم الرجال والنساء، استدل المصنف رحمه الله تعالى على ذلك بقوله تعالى: ( {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} ) .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: قال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا، فتضع المرأة على قبلها النسعة أو الشيء اليسير الذي يكون كالخيوط ونحوها، ونُقِلَ عن بعضهم أنها تضع يدها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله
فأنزل الله تعالى {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} .. الآية، فسمى كشف العورات فاحشة، والفاحشة هي: ما يتناهى في القبح، قال ابن كثير: قلت: كانت العرب ما عدا قريشًا لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش وهم الحمس هكذا المشهور عنهم قريش وما ولدت سموا بذلك لأنهم تحمسوا في دينهم، أي: تشددوا فيه، فكانوا يرون التزهد، يعني: الزهاد يطوفون في ثيابهم ومن أعاره أَحْمَسِيٌّ ثوبًا طاف فيه، إذًا قريش كانت تطوف بالثياب التي عليها لأن لهم خصوصية، ومن عداهم إن وجد أَحْمَسِيًّا يعيره ثوبه حينئذٍ أخذ هذا الثوب وطاف به وإلا طاف عريانًا، ومن أعاره أَحْمَسِيٌّ ثوبًا طاف فيه ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوبًا جديدًا ولا أعاره أَحْمَسِيٌّ ثوبًا طاف عريانًا وربما كانت امرأة تطوف عريانة فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر، وتقول: