فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 397

قد غلط ابن حزم ومن نحى نحوه من الظاهرية في عَدِّهم الدهر من أسماء الله عز وجل الحسنى أخذًا من هذا الحديث، وإنما خرج هذا الحديث ردًّا على العرب في جاهليتها على ما سبق بيانه، وفي معجم المناهج اللفظية للشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى قال: في هذا - يعني: الحديث السابق - ثلاث مفاسد عظيمة:

إحداها: سبه من ليس بأهل أن يُسَبّ، إذا سبُّوا الدهر، هل الدهر مستحق للسب؟ الجواب: لا، إذًا سبه من ليس بأهل أن يسب فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله، منقاد لأمره، مذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه من الدهر وهو كذلك.

الثانية: أن سبه متضمن للشرك فإنه إنما سبه لظنه أنه يضره وينفع، وليس الأمر كذلك وأنه مع ذلك ظالم يعني: الدهر، قد ظلم، قد ضرّ من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًا، وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه.

الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، هذا هو الحقيقة، لأن الذي أوقع المكاره من؟ هو الله عز وجل، فإذا نسبوه إلى الدهر أخطئوا في النسبة، فإذا سبوا الدهر حينئذٍ رجع إلى الفاعل الحقيقي وهو الله عز وجل، أن السب منه إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحق فيه أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وفي حقيقة الأمر فرب الدهر تعالى هو المعطي المانع، الخافض الرافع، المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم للدهر مسبة لله عز وجل، ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى، ثم قال رحمه الله: فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما: إما سبه لله، أو الشرك به. فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسب من فعله فقد سب الله تعالى. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

إذًا مسبة الدهر وإن كانت داخلة في جحود القدر ونحو ذلك كقولهم: ( {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} ) . من خصال أهل الجاهلية، لم تسمح لي الظروف، هل هي داخلة في سب الدهر أم لا؟

قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى في (( الفتاوى ) )في الجزء الأول صفحة مائة وواحد وسبعين لما سئل عن هذا اللفظ: لم تسمح لي الظروف، أن هذه الإضافة لا بأس بها فهي كإضافة المجيء والذهاب إلى الدهر وهذا منتشر في الكتاب والسنة كما في قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ} [الإنسان: 1] . قد أتى هذا إخبار ونسبة للشيء بكونه واقعًا، إضافة الأشياء إلى أسبابها مع اعتقاد أن الله عز وجل هو الفاعل هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا الإسناد حقيقي ليس مجازيًّا كما يدعيه أهل البيان هو غلط {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ} ... الآية، وهذه اللفظة من باب التوسع والتجوز في الكلام على أن الأدب تركها، والمحظور في هذا سب الدهر، تركها لماذا؟ لأنك قد تعلم أنت ما اعتقدته لكن السامع لا يعتقد ذلك فحينئذٍ صار فيه محظور من حيث كونه قد يوقع السامع فيما ظاهره أنه مسبة للدهر، والله أعلم.

وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت