فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 397

يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: يخبر تعالى عن قول الدُّهْرِيَّةِ من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعادي {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} ، أي: ما ثَمَّ إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثَمَّ معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم وهم ينكرون البداءة والرجعة، ويقوله الفلاسفة الدُّهْرِيَّةُ الدَّوْرِيَّةُ المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى فكرَّروا المعقول وكذبوا المنقول ولهذا قالوا: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} . إذًا أصناف متباينة من فلاسفة وغيرهم ينسبون الحوادث إلى الدهر.

وقال القرطبي رحمه الله تعالى: هذا إنكار منهم للآخرة وتكذيب للبعث وإبطال للجزاء، ومعنى {نَمُوتُ وَنَحْيَا} أي نموت نحن وتحيى أولادنا. قاله الكلبي، وقيل: يموت بعضنا ويحيا بعضنا. {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} قال مجاهد: يعني السنين والأيام. وقال قتادة: إلا العمر. والمعنى واحد، وقال ابن عيينة: كان أهل الجاهلية يقولون: الدهر هو الذي يهلكنا وهو الذي يحيينا ويميتنا. فنزلت هذه الآية. قال ابن جرير رحمه الله تعالى: وساق بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا يميتنا ويحيينا. فقال الله في كتابه: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} . قال: ويسبون الدهر. فقال الله عز وجل: «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهرُ» . «وأنا الدهرَ» - على المشهور - «بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» . وفي رواية: «يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهرُ» . قال ابن كثير رحمه الله تعالى إذًا «يؤذيني ابن آدم يسب الدهرَ» . بمعنى أن إسناد الحوادث إلى الدهر يؤذي الله عز وجل، حينئذٍ يكون مخالفًا لما أراده الله عز وجل، قال ابن كثير: قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تسب الدهر فإن الله هو الدهر» . كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر. فينسبون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله عز وجل، فإذا كان الفاعل الحقيقي هو الله عز وجل ثم نسبوه إلى الدهر فسبوا حينئذٍ صار ذلك متضمنًا لسب الفاعل الحقيقي، ولذلك قال: «يؤذيني ابن آدم» . فكأنهم إنما سبوا الله عز وجل لأنه فاعل ذلك في الحقيقة فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار لأن الله هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، هذا أحسن ما قيل، هكذا قاله ابن كثير: هذا أحسن ما قيل في تفسير وهو المراد، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت