الثاني: إرادة شرعية دينية، وهذه الإرادة متعلقة بالأمر وهي: أن يريد الرب جل وعلا من عبده أن يفعل، وهذه مرادفة للمحبة والرضا فتجتمع الإرادتان في حق المخلص المطيع، وتنفرد الإرادة الكونية في حق العاصي، وقد تلخص من هذه المسائل الثلاث أن الناس في القدر مع الشرع أربعة أقسام أورده الفوزان في شرحه حفظه الله تعالى:
الأول: من يثبت القدر وينفي الشرع، وهم: الجبرية.
الثاني: من يثبت الشرع وينفي القدر، عكس السابق وهم: القدرية.
الثالث: من يثبت الشرع والقدر ويزعم أن بينهما تناقضًا، وهم: المشركون {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ} .
الرابع: من يثبت الشرع والقدر وينفي عنهما التناقض، وهم: السلف الصالح أهل السنة والجماعة.
إذًا هذه ثلاث مسائل متعلقة بالقدر.
(السادسة والأربعون: مسبة الدهر، كقولهم: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24] ) .
يقال: سَبَّهُ سَبًّا. أي: شتمه، السَّبُّ هو الشتم واضح، والسُّبَّةُ بالضم العار، ومن يكثر الناس سَبَّهُ يسمى سُبَّةً لأنه محل للسَّبِّ، والْمِسَبُّ الكثير السِّبَابِ كالسِّبِّ بالكسر، وَالْمَسَبَّةُ بالفتح وَكَهُمَزَةٍ يَسُبُّ الناس، إذًا مَسَبَّةُ الدهر، أي: شتمه وعيبه وتنقُّصه، والدهر الزمان الطويل، والأمد الممدود، وألف سنة، أي: قيل هذا وذاك، وتفتح الهاء دَهَر دَهْر دَهَر يجمع على أَدْهُرٍ وَدُهُورٍ وَالدَّهْرِيُّ وقد يضم دُهْرِيّ دَهْرِيّ، النسبة الصحيحة دَهْرِيٌّ، يعني: هذا القياس، وَدُهْرِيٌّ هذا وإن شاع عند أهل العلم لأنه على خلاف القياس، وهو القاعد ببقاء الدَّهْرِ، وقيل: الدهر الزمان. من خصال أهل الجاهلية سب الدهر، والمراد به أنهم ينسبون الحوادث إلى الدهر، إذا وقع بهم مكروه قالوا: هذا زمن سوء، يا خيبة الدهر. بمعنى أنه ما من نكبة تحصل لهم إلا وأضافوها إلى الدهر، والدهر زمن لا يملك لنفسه حولًا ولا قوة، هو مخلوق مسخر مذلل لله عز وجل، فكيف تنسب إليه الحوادث؟ إذًا ينسبون الحوادث، يعني: الأشياء المخلوقة إلى الدهر، فإذا حل بهم مكروه نسبوه إلى الدهر باعتقادهم أنه الطارق بالنوائب فكانوا يقولون: أهلكنا الدهر، وأصابتنا قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وتبًا له، وبؤسًا للدهر، وزمن سوء. ... إلى آخر ما يذكرونه في أشعارهم ومنثوراتهم، وقد استدل المصنف على وجودها بقوله تعالى يعني عند الجاهلية {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} ، وهذا قصر نفي وإثبات {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} ، إذًا نفوا كل وصف يتعلق بالله عز وجل ونسبوه إلى الدهر.