قال ابن تيمية: ومنشأ ضلال من ضل هو من التسوية بين المشيئة والإرادة والمحبة والرضا فسوى بينهما الجبرية والقدرية فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره، فيكون محبوبًا مرضيًّا لله عز وجل. الكون كله بما فيه من معبودات لغير الله عز وجل آلهة باطلة وبما فيه من الكفر والشرك مرادٌ الله عز وجل مرضيًّا، لأنه وقع عندهم ماذا؟ الترادف بين الإرادتين: الكونية، والشرعية. فما وُجد وحصل ووقع وكان مرضي عند الله عز وجل، إذ لو لم يكن مرضيًّا لما خلقه، نقول: لا، ثَمَّ فرق بين الإرادتين، وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة له ولا مرضية، صحيح أم لا؟ حقٌّ، إذا لم تكن المعاصي محبوبة ولا مرضية وقد وجدت، إذًا لم يخلقها الله عز وجل، من خلقها؟ فاعلوها، فوقعوا في ضد ما سبق، فليست مقدرة ولا مقضية فهي خارجة عن مشيئته وخلقه، وهذا دين المعتزلة، وقد دل على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة، أما نصوص المشيئة والإرادة كقوله سبحانه: {وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13] ، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ} [يونس: 99] . وأما نصوص المحبة والرضا فكقوله سبحانه: {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة: 205] . وكقوله سبحانه: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] . نعم، لا يرضى لعباده الكفر، هل أمرهم بالكفر؟ لا، هل أذن بوجوده وخلقه جل وعلا؟ نعم، إذًا وجوده لا يدل على أنه مرضي بدليل ماذا؟ قوله تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} . انتهى من كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
فالإرادة حينئذٍ تنقسم قسمين، وأما المشيئة فلا تنقسم، واضح؟ المشيئة واحدة لا تنقسم ليس عندنا مشيئة كونية ومشيئة دينية، وإنما الإرادة هي التي تنقسم إرادة كونية، وإرادة دينية. إذًا الإرادة تنقسم إلى قسمين، وأما المشيئة فلا تنقسم فهي مرادفة للإرادة الكونية، المشيئة هي عينها الإرادة الكونية، والمحبة والرضا أخص من مطلق الإرادة، صحيح؟ المحبة والرضا أخص أو أعم من الإرادة؟ أخص، لماذا؟ لأن الرضا ومحبة الشيء قد يقع وقد لا يقع، وما وقع قد يكون مرضيًّا وقد لا يكون مرضيًّا، إذًا ما هو الأعم؟ الإرادة الكونية، الإرادة الكونية أعم، لماذا؟ لأنه وقع من حيث الوقوع ومن حيث كونه محبوبًا أو لا يعم النوعين، أليس كذلك؟ حينئذٍ نقول: كفر الكافر الموجود مرادٌ كونًا لا شرعًا، طاعة المطيع إذا حصل مراد كونًا وشرعًا فتداخلتا، إذًا المحبة والرضا أخص من مطلق الإرادة، ودلت الأدلة على الفرق بين المشيئة والمحبة والرضا ومن جمع بينهما فقد ضل ضلالًا مبينًا، فالإرادة قسمان:
إرادة كونية قدرية وهذه مرادفة للمشيئة، وما أراده سبحانه كونًا وقدرًا فلا بد من وقوعه لا بد أن يقع ما شاءه جل وعلا فمشيئة نافدة فلا بد أن يقع، فهذه الإرادة هي المتعلقة بالخلق وهو أن يريد سبحانه أن يفعل هو، يعني: الإرادة الكونية متعلقة بفعل الرب جل وعلا أن يفعل هو، والإرادة الدينية متعلقة بفعل العبد أن يفعل العبد.