فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 397

(الشكوى) التوجع من ألم ونحوه وما يُشكى منه، وشكي فلانًا أخبر بإساءته إليهم. أي: أن أهل الجاهلية من خصالهم في دفع الحق أنهم كانوا إذا أقيمت عليهم الحجة على بطلان ما هم عليه لم يكن لهم حجة يقاومون بها، فإنهم يفزعون ويلجئون إلى القوة لمنع القائم بالحق، وهي الشكوى إلى السلطان والحكام، واستدل المصنف رحمه الله تعالى بقوله تعالى: ( {أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ} ) . والآية قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ} إذًا الملأ جماعة من قوم فرعون لما عجزوا وأقيمت عليهم الحجة فَزَعوا إلى فرعون أو فَزِعوا إلى فرعون وقالوا: {أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} . قال فرعون لهم: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} . يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: يخبر تعالى عم تمالأ عليه فرعون وملؤه وما أضمروه لموسى عليه السلام وقومه من الأذى والبغض {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ} أي: لفرعون {أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ} أي: أتدعهم، {لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ} أي يفسدوا أهل رعيتك ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك يا لله العجب يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: صار هؤلاء يشفقون من إفساد موسى وقومه ألا إن فرعون وقومه هم المفسدون ولكن لا يشعرون، ولهذا قالوا: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} . قال بعضهم: الواو هنا حالية {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} الواو حالية أي: أتذره وقومه يفسدون في الأرض وقد ترك عبادتك. وقال آخرون: هي عاطفة وليست حالية. أي أتدعهم يصنعون من الفساد ما قد أقررتهم عليه وعلى ترك آلهتك. وقرأ بعضهم: (إلاهتك) أي: عبادتك. وعلى القراءة الأولى قال بعضهم كان لفرعون إله يعبده.

قال الحسن البصري: كان لفرعون إله يعبده في السر. فأجابهم فرعون لما شكوا إليه وهذا محل الشاهد شكوا إليه أجابهم فرعون فيما سألوه بقوله: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ} وهذا أمر ثاني بهذا الصنيع، وقد كان نَكَّلَ بهم قبل ولادة موسى عليه السلام حذرًا من وجوده فكان خلاف مرامه وضد ما قصده فرعون، وهكذا عومل في صنيعه أيضًا لما أراد إذلال بني إسرائيل وقهرهم فجاء الأمر على خلاف ما أراد فأعزهم الله عز وجل وأذله وأرغم أنفه وأغرقه وجنوده. واللجوء إلى القوة هو حجة الضعفاء المساكين كما قال فرعون لموسى عليه السلام {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29] . إذًا كانوا إذا غلبوا بالحجة حينئذٍ فزِعوا إلى القوة والسلطان وما ذاك إلا لضعف حجتهم بل فسادها.

(الثالثة والستون: رميهم إياهم بالفساد في الأرض كما في الآية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت