فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 397

المسألة الأولى سبق فيما يتعلق بالجاهلية وأن هذا اللفظ مصدرٌ صناعي, وأنه مأخوذٌ من حيث الاشتقاق من لفظ (الجاهل) ولا نقول (الجاهلي) وإنما هو مصدرٌ صناعي منسوبٌ إلى الجاهل لزيادة ياء النسبة وكذلك التاء التي هي في الأصل تاء التأنيث, ثم هو من حيث المعنى يُنظر في (الجاهل) وما اُشتُق منه وهو (الجهل) حينئذٍ نُعرِّف الجهلَ بأنه انتفاء العلم, هذا هو الأصل, ويُطلق الجهلُ ويُراد به الخفة ويُطلق ويُراد به الطيش والسَفَه ونحو ذلك وهذه كلها مُرادة في المعنى الشرعي, فكل معنى لُغوي ذكره أهل اللغة في معنى أو مُسمّى الجهل هو مراد به الجاهلية التي هي جاء بها الشرع بذمها ونحو ذلك, وأما من حيث المعنى الشرعي والمراد به في الشرع, قد ذكرنا أنها ذُكرت في أربع مواضع .. في أربعة مواضع من القرآن, وكلها مرادٌ بها الجاهلية الأولى العامة المطلقة التي هي قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم, وإذا كان كذلك حينئذٍ ننظر في هذا المعنى فنجد أن الشارع استعمله في ما كان عليه الناس أو العرب, أو إن شئت قل العرب والعجم وأهل الكتاب ونحو ذلك, فكل الكفار قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من عبادات أو عادات أو أخلاق أو أعمال سواءٌ كانت من جهة الفـ .. الأفعال أو كانت من جهة التُروك فهي داخلة في هذا المسمى, حينئذٍ بعثة النبي صلى لله عليه وسلم هي الفاصل, فما كان قبل بعثته عليه الصلاة والسلام فهو الجاهلية الأولى وهو الجاهلية العامة أو الجاهلية المطلقة, فإذا أُطلق في الشرع فالغالب إنما يُراد به هذا المعنى وإذا أُريد به غيره وهو ما يقابله الجاهلية المقيدة أو الجاهلية الخاصة حينئذٍ يُنظر في السياق والسباق, وكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أطلقه وقيده بشخصٍ أو بمكانٍ أو بصفةٍ حينئذٍ نحكم عليه بأنه جاهليةٌ مُقيدة, وإذا كان كذلك ما تقرر لا يُمكن أن نجمع بين النوعين في حدٍ واحد, مادام أن الفاصل هو بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وأن الجاهلية المقيدة إنما تكون بعد البعثة حينئذٍ لا يُمكن أن نجمع بين النوعين في حدٍ واحد, ولذلك تجد ابن الأثير رحمه الله تعالى وكذلك النووي وكذلك الحافظ ابن حجر إنما نصّوا على أن الجاهلية هي قبل .. ما كان قبل الإسلام, قيدها النووي بأهل الفترة, وهذا داخلٌ في مسمى الجاهلية, المهم أن الضابط فيه أن يكون ما قبل الإسلام, حينئذٍ لا يُعترض على من عرّف الجاهلية بهذا المعنى بأنه لا يشمل الجاهلية المقيدة, بل نقول لا يمكن أن يجتمعا في حدٍ, لماذا؟ لأنهما متقابلان , ولا نعرف الجاهلية المقيدة, الخاصة, إلا بمعرفة الجاهلية المطلقة, لماذا؟ لأن الجاهلية المقيدة إنما هي وصفٌ أو فعلٌ أو شخصٌ أو زمانٌ معين أو مكانٌ معين وُصِفَ بشيءٍ قد فُعِلَ في الجاهلية المطلقة, حينئذٍ نَعرف أولًا ما هي الجاهلية المطلقة وما هي أفعالها وما هي شروطها عاداتها عباداتها ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت