وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] من أوصافهم {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} وصف سبحانه هؤلاء القوم بهذه الأوصاف العظيمة المشتملة على غاية المدح ونهاية الثناء من كونهم يحبون الله وهو يحبهم، ومن كونهم {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} والأذلة جمع ذليل لا ذلول، والأعزة جمع عزيز أي: يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين، ويظهرون الشدة على عكس ما كانوا مع المؤمنين يظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله وعدم خوف الملامة في الدين، فهذه صفات المحبين إيمانٌ وعمل، بل ضحواُ بأعز ما يملكون وهو النفس وذلك الجهاد في سيل الله. وجاء في الحدث القدسي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه» . إذًا إنما تكون المحبة من الله عز وجل مبنيةً على فعل الفرائض وتكميلها بالنوافل، فإن لم توجد حينئذٍ ليس ثم محبة، «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع» به يعني: موفق في سمعه فلا يسمع إلا ما يُرضي الله تعالى «وبصره الذي يبصر به» فلا يُبصر به إلا ما يُرضي الله تعالى «ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها» الحديث. إذًا دعواهم أنهم يحبون الله تعالى مع تركهم شرعه، فحينئذٍ نقول: هذه دعوى باطلة كاذبة إذ الذي يُصدق هذه الدعوى هو العمل بشرع الله عز وجل، فإن وُجِدَ فحينئذٍ صحت الدعوى وإلا فهو كذب محض، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.